تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…لبثت زمناً طويلاً أحسب أن يوم " الجمعة الحزينة " هو ذلك اليوم الذي جيء فيه إلى القرية بجثمان عبد السحوة. في ناحية من القرية خيم الوجوم وساد صمت حزين. وفي مكان آخر منها انفجر غضب عارم، وقامت مظاهرة. وفي السوق أغلقت الحوانيت. وفي المسجد أقيمت الصلاة على روح الشهيد، وقام الخطباء ينددون بالانكليز، فكان يوماً مشهوداً. سيارة خضراء مغلقة اخترقت الشارع، وانعطفت إلى الزقاق المؤدي إلى بيت السحوة، ثم توقفت أمام المنزل تماماً. صمت هدير محركها بعد أن عبق الجو بدخان قاتم، ورائحة (بنزين) خانقة. وجهاء القرية ومخاتيرها وقفوا قريباً من الباب. النساء على النوافذ وأبواب الدور. الصبية ملاوا الطرقات والزقاق في فضول مشوب بالخوف.

فتح باب السيارة الخلفي، وأنزل تأبوت حمله الرجال إلى داخل الدار، فانطلقت زغرودة من حنجرة ممزقة، اقشعرت لها الأبدان. أعولت النساء، وتهدجت أصوات الرجال، والتمع الغضب في عيونهم.

….. لقد فعلها الطغاة إذاً.. شهيدٌ آخر في قافلة الشهداء ..

….. شنق الرجل من أجل رصاصة فارغة.. يهودي واحد لم يشنق رغم أكداس السلاح التي بحوزتهم ..!

…خرج النعش، بعد فترة لم تطل كثيراً، على أكتاف الرجال. تكوَّن للتو موكب يمشي وراءه في صمت مهيب. فيما انطلقت أصوات النساء، فكانت مزيجاً من العويل والزغاريد والصرخات المخنوقة. واحدة تبتهل إلى الله بأن (ينكب الانكليز). أخرى تنعي موت الفقيد في عز الشباب، وخضرة تندب (جملها) و(أبو اولادها..!). الموكب يمضي عبر شوارع القرية غرباً باتجاه المقبرة. الغبار يتصاعد فيخنق الأنفاس. العرق يغسل الوجوه المحتقنة. حتى الصغار كفوا عن تساؤلاتهم.. وكأنهم بعرفون كل شيء، او لا يعرفون أي شيء. كومة أنقاض المباني التي نسفت ما برحت في مكانها، زاد مرآها الناس سخطاً. كل شيء يذكرهم بالانكليز. "هذا بلاء عام ..! من أين جاء..؟ لماذا نحن بالذات دون سائر خلق الله؟ ولماذا بلادنا بالذات، دون غيرها، مطمع الطامعين..؟"

… تمكنت من التسلل بين القبور، ومن خلال ذلك العدد الهائل من الناس إلى أقرب مكان من الحفرة. رجلان يحملان الجثمان، ملفوفاً بالعلم، ثم ينزلانه إلى تلك الحفرة المخيفة.. القبر ..!

روايات · الصفحة ٤١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤١٤