تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…رأت أمي أن تدلي بدلوها هي الأخرى، فقالت :

…- يظهر أنهم متفقون جميعاً على هذا لمصلحة اليهود كما يقولون .

…تململت خضرة، وقالت في شيء من الاستياء لابتعادهن عن موضوعها :

…- المهم الآن (أبو نمر). ماذا يمكننا أن نصنع؟ نبحث عن وساطة؟ نتقدم بطلب استرحام للمندوب السامي ؟

…قشعريرة تسري في جسدي.. أيشنقون رجلاً، بالفعل من أجل رصاصات فارغة كتلك التي كنا نلعب بها اليوم في باحة المدرسة ..؟؟

…كان درس المحفوظات في ذلك الصباح بالذات، قصيدة عن ثلاثة من الثوار شنقوا عام 1930. روى لنا الشيخ محمد قصتهم. وأن تلك القصيدة نظمها فيهم شاعر للثورة ويدعى ابراهيم طوقان. عنوانها (الثلاثاء الحمراء) وأسماؤهم التي علينا أن نحفظها : عطا الزير، ومحمد جمجوم، وفؤاد حجازي:

…قسماً بروحك يا فؤاد / صعدت جوانحها زكية / عاشت نفوس في سبيل بلادها ذهبت ضحية .

…قسماً بأمك عند موتك / وهي تهتف بالنشيد / ما نال من خدم البلاد / أجلُّ من أجر الشهيد

…أصوات الجالسين على المصاطب الأخرى تصل إلينا دون أن نتبين فحوى شيء مما يقولون، إلا حين يعلو صوت منفعل، أو تنطلق ضحكة. رائحة الشاي بالقرفة آتية من مصطبة مجاورة. من هم على المصاطب الأكثر بعداً يبدون كالأشباح تحت ضوء القمر. الأصوات كدوي نحل. أغنية غير واضحة الكلمات تتردد متماوجة عن بعد. صوت المؤذن ينادي لصلاة العشاء فيعم السكون .

…قامت والدتي، وأشارت إليّ. نهضت على غير رغبة مني. كنت أود الاستماع إلى مزيد.. اتضحت معالم الأغنية يحملها الريح من مقهى (القاضي) عند المنحدر القريب.. اسمهان.. (فرَّق ما بيننا.. ليه الزمان ..ده العمر كله بعدك هو ان ..)

أشاحت والدتي بوجهها تخفي دموعاً ترقرقت في عينيها.

…أحمد وعلياء يستلقيان على فراش من تحته حصير على أرض الغرفة. تمددت بجوارهما. سعيد لم يكن قد عاد بعد. القت أمي بلحاف علينا جميعاً، فيما هي تتلو آية الكرسي همساً. ذبالة السراج تتأرجح مرسلة ظلالاً قاتمة.. حفيف الأشجار يهمس في أذني.. نفخت أمي على السراج فانطفأ. جذبت الغطاء فوق رأسي.. أغمضت عيني.. ومضيت مسافراً بعيداً.. الأشباح.. المشانق.. الانكليز..!

…- 12 -

روايات · الصفحة ٤١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤١٣