تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…وفي ذات أمسية ظهر لي ذلك المارد اللعين. خرجت عقب العشاء بقليل، وأصرت والدتي أن أتلفع بكوفية حول رأسي وعنقي اتقاء البرد. لم تفلح كل المعاذير التي قدمتها. وما أن بلغت الطريق المحاذي للمقبرة حتى بدأ الهلع يجتاحني. نظرت إلى أعلى فإذا بمارد أمامي.. ذعرت، أغمضت عيني، أطرقت إلى اسفل.. ما زال أمامي. إنه المارد إذن بغير جدال.. يا إلهي.. يا إلهي.. لقد وقعت بين يديه أخيراً. انطلقت أعدو بجنون عائداً من حيث أتيت. ولم ينصرف المارد إلا حين اندفعت إلى داخل البيت كالسهم، وخلعت الكوفية. ألقيتها جانباً كي أمسح العرق المتصبب من جبيني، فيما أمي تنظر إليَّ بارتياع. متسائلة عما حدث لي، ولماذا أنا على تلك الحال , تبين عندئذ، وبعد أن هَّدأت من روعي، أن خيطاً من العقال قد تدلى أمام عيني فحسبته مارداً ..!

لم يجر الحديث في تلك الأمسية حول الجان، و لا عن الولادات المتعسرة. قضية (عبد السحوة) زوج الخالة خضرة، هي التي استأثرت بالاهتمام دون سواها، لا سيما وأن الأحداث الماضية ما برحت ماثلة في الأذهان.

قالت الحاجة تطمئن ابنتها :

…- لسوف يفرجون عنه قريباً فلا تقلقي. وكِّلي أمرك لله يا ابنتي .

…- ولكنهم لا يتقون الله يمَّه.. ألم يشنقوا كثيرين غيره ..؟

…ورغم أن الحاجة تعرف أن كلام ابنتها كان صحيحاً، إلا أنها لا تملك إلا أن تمضي في طمأنتها، حتى لو لم تكن هناك أسباب وجيهة لذلك الاطمئنان. فقالت:

…- أولئك قبض عليهم وهم يقتحمون مستعمرات اليهود، أو يهاجمون قوات الانكليز .

…قالت أم مريم، بعد أن تململت قليلاً، وهي تشير بيديها، كعادتها كلما تحدثت:

…- ألم يقولوا أنهم لم يجدوا مع (العبد اسم الله عليه، ويجيبه بالسلامة) سوى رصاصات فارغة..؟

…- هذه هي المشكلة. إنهم يشنقون الرجل من أجل رصاصة فارغة ..!

…- أصلحه الله.. لماذا يحتفظ بها وهو يعلم انها ستجلب له مصيبة ؟

…- ومن أدراه أنه سوف يتعرض لتفتيش مباغت كالذي حصل ؟

…- كان عليه أن يتوخى الحذر. ألا ترين أن قريتنا تحظى باهتمام خاص هذه الأيام ؟

…أما جارتنا (عدلة) الشامية، التي كانت تقطن خلف بيتنا من الناحية الجنوبية، والتي ظلت تستمع طوال الوقت، منقلة نظراتها بين المتحدثات في شيء من الاستغراب فقد قررت أن تقول شيئاً، آخر الأمر، كي تؤكد أنها تشارك في الهموم، وتسهم في الرأي، فقالت وهي تلملم خصلات شعرها الذهبي :

…- الانكليز يصنعون عندكم ما يصنع الفرنسيون عندنا تماماً .

روايات · الصفحة ٤١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤١٢