تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…- ماذا تقصد يا ولد ..؟ مالك أنت والثورة ..؟

…- نريد أن نفهم لماذا يقتل الانكليز أهلنا؟ لماذا يعتدون علينا؟ هؤلاء الذين استشهدوا بالأمس.. وهذه المباني التي نسفوها.. لماذا يفعلون هذا بنا ؟

…ثقل الصمت إلا من صوت حفيف الأشجار عبر النوافذ، فيما أخذ الأستاذ عبد الخالق يذرع الغرفة، جيئة وذهاباً، ويداه معقودتان وراء ظهره، تماماً كما كان يفعل نابليون قبيل دخول المعركة (هكذا قيل لنا أنه كان يفعل)..!

…بعد لحظات سادها الترقب المشحون بالتوتر، اتجه الاستاذ إلى باب الغرفة فأغلقه، ثم عاد ليقف بمحاذاة أول صف من المقاعد. بدا عليه اهتمام غير عادي، يوحي بأن ما يعتزم قوله شيء ليس من قبيل (الثور الأسود الذي أُكل يوم أكل الثور الأبيض)، أو الثعلب الذي احتال على الحمار فأكله في قلب الغابة.. لأنه حمار ..! أو ليلى التي أكل الذئب جدتها ..! قال بصوت خفيض النبرات :

….. ما سأقوله لكم يا أبنائي، يجب عليكم أن تعوه جيداً. وليكن هذا هو موضوع درسنا اليوم. لكنه درس للحفظ في قلوبكم. امتحانكم فيه عندما تصبحون شباناً. والممتحن آنذاك هو الوطن.. فلسطين أمكم ..!

…نظر بعضنا إلى بعض في دهشة ممزوجة بغير قليل من الخيلاء. تخيلنا للحظات أننا سنصبح ثواراً.. نحمل البنادق.. نتبادل المطاردة مع جنود الاحتلال من الانكليز. أعادتنا إلى الانتباه متابعة الأستاذ لكلامه بعد هنيهة صمت :

…- الانكليز احتلوا بلادنا منذ نيِّف وعشرين سنة... غايتهم الاساسية من وراء ذلك أن يجلبوا إليها يهوداً من وراء البحار.. من كل أرجاء الدنيا ..

…هب أحد التلاميذ ليسأل :

…- ولكن لماذا يترك هؤلاء بلادهم ويأتون إلى بلادنا نحن ؟

…أجاب الأستاذ موضحاً :

…- يريدون أن يقيموا لأنفسهم ((وطناً قومياً)) يجتمع فيه يهود العالم. هذا ما وعدهم به وزير بريطاني اسمه ((آرثر بلفور)) في أوائل عهد الاحتلال، وبالتحديد في الثاني من تشرين الثاني عام 1917 أي قبل أن تخلقوا أنتم بزمن طويل. أي أنه قرر مصيركم حتى قبل أن تولدوا هل تفهمون؟ ويبدو أن ذلك كان أكبر من أن تستطيع فهمه مداركنا، فهب تلميذ آخر لكي يسأل :

…- ومن هو بلفور هذا حتى يعدهم بذلك ..؟ وهل يملك هذا البلفور البريطاني أرضنا حتى يهبهم إياها وهو القاطن في تلك الجزر النائية ..؟

…قال الأستاذ عبد الخالق مبتهجاً لهذا الوعي المبكر في تلاميذه النجباء ..!

…هاه.. من أجل هذا قامت الثورات

…تشجع تلميذ آخر، فقال :

روايات · الصفحة ٤٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤٠٧