…كنت من أنصار القائد عبد الرحيم. منذ ذلك اليوم الذي سمعت فيه أن هذا القائد يملك قدرات خارقة على مجابهة الانكليز، والإفلات من شراكهم وكمائنهم، ثم الظهور بغتة في أي مكان ليهاجم دورية، أوينسف مركزاً للبوليس، ويختفي بعد ذلك، في طرفة عين، ليظهر من جديد في مكان آخر.. وأن أعماله هذه قد أعيت قوات الاحتلال حتى أنها كرست عدداً غفيراً من جنودها، كما رصدت مبالغ طائلة من أجل القاء القبض عليه حياً أو ميتاً ..!
…أرسم له في مخيلتي صورة مثالية تتناسب وما أكنُّ له من إعجاب و إكبار. ولم يكن رفاقي أقل حماسة في تصوراتهم عن أبطالهم المفضلين. وكم تمنى واحدنا لو يشب عن الطوق فجأة ليغدو واحداً من هؤلاء كي يصبح ذكره - مثلهم - على كل لسان ...!…
…اتفقت مع الرفاق على التوجه بأسئلتنا هذه إلى أحد معلمينا. وقع اختيارنا على الأستاذ (عبد الخالق) مدير المدرسة. فهو خير من يمكن أن يستمع إلينا بسعة صدر، خلافاً للشيخ (محمد أبو العينين) العابس مكفهر الوجه على الدوام، أو الأستاذ (أبو مهدي) الذي يعتقد أننا صغار.. (عفاريت) لا نستحق عناء الحديث إلينا في قضايا كهذه ..!
…قرع جرس الصباح. انتظمنا صفوفاً أمام بناء المدرسة، ومن خلفنا حديقتها الحافلة بالأشجار والأزهار. الأرض مفروشة بالرمل الأصفر، وحصى مجلوب من الشاطئ، مصقول أملس. أشجار الكينا العالية والسرو والصنوبر تحيط بالمدرسة من شتى أرجائها، يسمع حفيفها الهادئ فيدخل إلى نفوسنا البهجة والطمأنينة منذ بداية النهار. أشار الأستاذ للصفوف، فشرعنا ننشد :
…بلاد العرب أوطاني/ من الشام لبغدان/ ومن نجد إلى يمن/ إلى مصر فتطوان
…فلا حد يباعدنا / ولا دين يفرقنا / لسان الضاد يجمعنا / بغسان وعدنان
…كف الأولاد عن صخبهم فور دخول الأستاذ عبد الخالق. ساد الصمت. قبع الجميع في أماكنهم، إذ كان أستاذنا هذا يخطرنا بأنه إذا ما دخل غرفة الصف، فيجب أن يسمع صوت الأبرة إذا ما وقعت على الأرض ...! بادر نعيم إلى رفع يده، حين كان الأستاذ عبد الخالق يتفحص دفاتر وأوراقاً بين يديه. تنبه له بعد لأي. تساءل في غير أكتراث :
…-ماذا يا نعيم ..؟
…قال هذا مرتبكاً :
…- أستاذ.. سؤال من فضلك ..
…- تفضل.. هات ما عندك ..يا فتَّاح يا عليم.. !
…- سؤال عن الانكليز.. أعني الثورة
…وجم الأستاذ برهة. ثم قال، وعلامات الدهشة بادية على وجهه النحيل، وفي عينيه الضيقتين الحادتين كعيني صقر: