يا جارة الوادي طربتُ..! .وعادني مايشبه الأحلام من ذكراك ..
…ولربما كان هذا هو المكان الأمثل لانتقاء عروس، حيث يمكن للشاب هنا أن يرى، بغير وساطة الامهات والأخوات والعمَّات، من يمكن أن يقع اختياره عليها شكلاً ومظهراً. أما عن الأسرة و السمعة والسلوك، فتلك أمور يعرفها الجميع عن الجميع. مجتمع صغير.. كتاب مفتوح.. وليس في وسعك، من ثم، أن تظهر بغير ما أنت عليه. ويأتي بعد ذلك دور الأم والأخوات لاستقصاء (الموضوع) من جوانبه الأخرى، قبل أن يلتقي الرجال لقراءة الفاتحة، والبت في أمر الخطبة وعقد القران. والخطبة لا تعني لقاءات ولا زيارات، هي ارتباط ليس إلا، حتى يحين أوان الزواج .
…اسراب الصبايا تعبر الطريق. الشبان على المقهى يمرحون ويتبادلون الأحاديث.. السيارات العابرة من حين لحين يقطع دويها حديثهم.. أصوات الباعة، تحت ظلال الجميزة الهرمة تتردد بغير انقطاع.. جرس المدرسة يدق مؤذناً بالانصراف. صخب التلاميذ متجهين إلى بيوتهم سوف يملأ الطرقات عما قليل ..
…على غير توقع أو انتظار أطلت قافلة المصفحات الخضراء، التي لم يعد مرآها غريباً على أهل القرية، وقد علت أبراجها رشاشات (متراليوز). توزعت بسرعة فائقة في انحاء الساحة، وعند مداخل الطرقات .
…- إذن لقد جاؤوا أخيراً. لقد بروا بوعدهم ..! لم يخيبوا الظن ولم ينسوا واجبهم المقدس في تدميرنا وتخريب بيوتنا ..!
…قال ذلك شاب غاضب. عقب آخر :
…- والحاج عوض الله لم يثنهم عن قرارهم.. كاذب؟ نعم.. لكنه ليس موالياً لهم .
…أحاطوا بالمنطقة تماماً. ترجل عدد منهم بتقدمهم كبيرهم، ومن حوله ضباط تلمع النجوم على أكتافهم والنياشين على صدورهم، راحوا يصدرون أوامرهم لمن في المقهى، ومن في السوق والطرقات، بالاتجاه إلى باحة ضريح أبي هريرة القريبة، مهددين من يتباطأ بسوء المصير. يلوحون بالمسدسات، واشارات الأيدي مصحوبة بالصراخ والصياح. يستجيب بعض، ويتلكأ بعض، والحقد في نظراتهم صوب أولئك، مما يثير حنق الضابط الكبير فيرغي ويزبد، ويكيل الشتائم بكلمات سوقية عربية مكسرة، مكرراً أوامره بالتحرك سريعاً إلى حيث يشير .
…خلت الحوانيت والمقاهي من روادها واصحابها. بعض التلاميذ في هذه الاثناء استطاع تجاوز نطاق الجنود و التوجه إلى دورهم، فيما كان نصيبنا نحن .- عدد من الصبية - أن تعرَّض لنا عدد منهم، ودفعوا بنا إلى حيث تجمع الآخرون، قرب الضريح وبين القبور .