تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…بدأ الرصاص يئز فوق رؤوسنا ومن حولنا في كل اتجاه. جندي ضخم الجثة، أحمر الوجه يتحرك أمامنا جيئة وذهاباً، رشاشه في يده مسدد، تمنطق بأمشاط الرصاص حول خصره، دائرة كاملة إلا من مطرة ماء على الجانب الأيمن، وعلى رأسه خوذة حديدية. أقول الحق أعجبني مظهره، وتمنيت لو كنت مكانه، و جمهور من الانكليز أو اليهود أمامي في مكاننا. وجهه محتقن يطفح عرقاً. عيناه الزرقاوان تقذفان بنظرات يصعب تحديد كنهها : حقد.. قلق.. كراهية.. ريبة.. أو كل ذلك معاً، ولكنهما تنبئان بأنه على استعداد للإجهاز علينا جميعاً إذا لزم الأمر. وكلما تحرك غلام ،أو تحدث رجل، أو همست امرأة استشاط غضباً، وصاح بنا (Shutup) .فضلاً عن سيل دافق من الكلمات الغاضبة، غير المفهومة، وإن يكن واضحاً أنها ليست تحيات موجهة إلينا. هذا فيما سيمفونية الرصاص ما برحت تعزف ألحانها المخيفة .!

لم يمض وقت طويل قبل أن يدوي أول انفجار هز أرجاء القرية، ثم يتبعه ثان، فثالث. ومع كل منها تتوالى أصوات انهيار، وتتصاعد سحب غبار تملأ الفضاء، أخذنا نرقبها وهي تسبح باتجاهنا مع الريح. امتقعت الوجوه، وتبادل الحضور نظرات ملؤها الغيظ والألم، فيما لمحت انفراج أسارير ذلك الجندي المكلف بحراستنا، إذ راح هذا يتبختر مزهواً بمشيته العسكرية العنيفة، كأنما يقول:(انظروا كم نحن أقوياء..!) غمغمت أمرأة بصوت مسموع :

(الله أقوى منكم يا شيخ.. روحوا الله لا يكسِّبكم).

…ولكي تكون الحملة ذات أثر مهيب لا ينسى، وتبقى نتائجها الماساوية إلى أن يشاء الله بعد ذلك في الأفراد، بل وفي حياة أهل القرية جميعاً، وليس في المباني وحدها، تعمدوا أن يصيب رصاصهم عدداً من الناس. أن يقتلوا بغير تعيين.. أيّ ناس و السلام. المهم أن يصنعوا المآسي في هذا اليوم لكي يصبح تاريخاً..!

…كانت محصلة ذلك اليوم أحد عشر شهيداً. من بينهم رفيقنا (اسماعيل الحملاوي) الذي اخترع قطاراً منذ أيام. كان عائداً من الفرن ساعة وصول الحملة، وعلى رأسه طبق الخبز. ولم تكن رصاصات طائشة تلك التي أردته قتيلاً، بل هادفة متعمدة، فقد انتهره أحد الجنود وهو على قيد خطوات من باب منزلهم. ولكنه بسبب خوفه انطلق يعدو والأرغفة تتطاير من فوق رأسه، فبادره ذاك برصاصة اخترقت ظهره. تدحرج بضعة أمتار حتى استقر جسده عند عتبة الدار تماماً.

روايات · الصفحة ٤٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤٠٢