تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…لأن الانكليز لم يعلنوا عن موعد بعينه من أجل تنفيذ عملية النسف للمباني التي وضعوا عليها علامات (×) يوم مقتل محمد المغاري، ولأن بعض الوقت انقضى منذ ذلك الحين دون أن تقع حوادث ذات شأن في قرية يبنا وما جاورها، فقد بدا للكثيرين أنهم ربما ضربوا صفحاً عن هذه العملية، أو صرفوا النظر عنها لسبب ما. بل حدا هذا الاعتقاد بأحد المخاتير أن يزعم بأن العملية ألغيت نتيجة لتوسطه لدى السلطة، هادفاً من وراء هذا الزعم كسب المزيد من الشعبية لدى أهل القرية. ولم يكن ذلك في الواقع إلا منزلقاً أوقع نفسه فيه بيده، استغله مختار آخر للغمز من قناته، بدعوى أن من تقبل شفاعته لدى الانكليز لا بد أنه موالٍ لهم. ولم يستطع الأول (الحاج عوض الله) أن يدفع التهمة عن نفسه إلا يوم جاء الانكليز عصر ذلك اليوم ليبطلوا دعواه عملياً، وبالتالي تبرئة ساحته، وإن يكن علىحساب تسجيل موقف كاذب عليه. وهذا خير له علىأية حال، كما رأى هو في نهاية المطاف .

…في العصاري من كل يوم، أسراب الصبايا تتوافد على (حاووز)بيارة المختار (الحاج علي الهمص)، الواقع خلف مقهى مجاور لسوق الجميزة، يملأن جرارهن، ثم يمضين في الطريق الترابي المحاذي لمقهى (أبو سالم) فيقطعن الطريق العام المعبد إلى بيوتهن عبر الأزقة المتفرعة، وقد ارتدين ثياباً سوداء، مطرزة على الصدر والجانبين، وتوشحن بملاءات بيضاء، والجرار فوق رؤوسهن لها وضع خاص، يعتبر في حد ذاته، مقياساً لبراعة واحدتهن وتفوقها على لداتها، فالأكثر مهارة هي التي تميل الجرة بمقدار أكبر، بحيث يخيل للرائي أنها توشك على السقوط، لكنها تظل ثابتة، لا تتأثر بمشية الفتاة أيّاً كان نصيبها من الثقة بالنفس و الاعتداد بالذات .

…كان مقهى (أبو سالم) هو الأكثر رواداً بسبب موقعه هذا. فالشباب يجلسون هناك عصراً كي يمتعوا أبصارهم بالغاديات الرائحات على مقربة منهم، وقد رش عمال المقهى الأرض الترابية الحمراء بالماء من أمامه وحوله، تحت الكراسي والمناضد، فتطايرت مع الغبار رائحة التراب الرطبة تحملها نسمات الصيف الرقيقة، فيما تتعالى النداءات :.. شاي ثقيل.. قهوة سكر قليل.. سكر زيادة.. فيما يصدح صوت المذياع بأغاني أم كلثوم أو عبد الوهاب الجديدة.. افرح يا قلبي لك نصيب تبلغ مناك ويا الحبيب ..

يا وابور قل لي رايح على فين ...ياوابور قل لي وسافرت منين ..

يادنيا يا غرامي.. يادمعي يا ابتسامي.. قلبي يحبك يادنيا ..!

روايات · الصفحة ٤٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤٠٠