تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…استبدت بي مشاعر الأسى والضياع. لو كان سعيد حاضراً لتمكنا معاً أن نقول شيئاً، أي شيء نشد به أزر المسكينة، التي بدا عليها من الجزع والألم ما لم اشهد عليها مثله إلا يوم مصرع أبي. أحسست بغير قليل من الحقد على جدي، و أخوالي جميعاً، لاسيما ابن عمها هذا. إنهم يعملون على انتزاعها منا؟ لماذا يريدون أن يدمروا حياتنا.. لم لا يتركوننا وشأننا.. ما لهم ومالنا ألا يكفينا ما أصابنا ..! تنبهت إلى حركة جدي وهو ينهض متثاقلاً ممسكاً بعصاه التي يتوكأ عليها - ولكم سرني ذلك - فيما يهم الآخران بالوقوف :

…- سوف نتركك يا ابنتي تفكرين في الأمر الليلة ونهار الغد.. وعلى بركة الله ..

قال الآخران معاً، وهما ينحنيان لالتقاط حذاءيهما :

…- الله يجيب اللي فيه الخير.. آمين ..

…لم تذق طعم النوم في تلك الليلة. حاولت جاهدة أن تتمالك نفسها، أول الأمر، وأن تتظاهر بالهدوء وعدم الاكتراث، كيلا تثير فزعنا، إلا انها أخفقت في اخفاء مشاعرها كل الوقت .

…كان الذي عرض عليها يعني شيئاً واحداً. كارثة محققة تحيق بهذا البيت. فاذا ما تم الزواج المقترح، فما الذي سيحدث لهم. هل يبقون معها كما يقولون ..؟ وفي هذه الحال كيف ستكون معاملة (العم) لهم : هل سيعاملهم بالمودة والحسنى؟ ومن ناحيتهم هم، هل سيبادلونه المودة، اللهم إن وجدت لديه؟ واذا ما حدث العكس، فلم يرتح إليهم ولا هم اطمأنوا إليه، بل ربما كان قاسياً عليهم. فماذا سيكون الحال عندئذ، وهي لا تملك من أمرها شيئاً ..؟ أين يذهبون إذا ما ساءت العلاقات بين الزوج والأبناء؟ ومن يقوم على تربيتهم ورعايتهم؟ الضياع مصيرهم. وأهلي هؤلاء ماذا سيفعلون ؟.. ينسونهم.. وهذه هي الدنيا (كل مين يارب أسألك نفسي)..! .

…تلوذ بالبكاء في صمت.. والليل يمضي بطيئاً رتيباً. ترنو إليهم، ينامون في وداعة الواحد إلى جوار الآخر (لا يدركون ماذا تخبئ لهم الأيام).. تتراقص على أجسادهم الغضة، وعلى جدران الغرفة الشاحبة ظلال ضوء السراج المتأرجحة التي تزيدها وحشة وحزناً. تذكرته.. الرصاصات الغادرة.. والأيام الخالية في رعايته وتحت جناحه. غمغمت والدموع تنساب على وجنتيها :

….. إلهي.. ألم يكف الأقدار ما صنعت بنا حتى الآن ...؟

…- 9 -

روايات · الصفحة ٣٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٣٩٩