…طفق أصحاب الجمال يتوسلون، مقسمين بانهم كانوا في طريقهم إلى قرية (اسدود)، وليس إلى مستعمرة يهودية كما حسبوا. ولكن الجمهور الغاضب واصل تحطيم السلال، دون أن يلقي بالاً إلى توسلاتهم. بل إن بعضهم راح يكيل لهم اللكمات والصفعات، مندداً بهم، متهماً إياهم بخيانة الوطن والقضية، ما داموا لم ينصاعوا لقرارات اللجنة الوطنية القاضية بالامتناع عن التعامل مع اليهود، منذ أوائل الثورة عام 1936. مذكِّرين إياهم بالإضراب العظيم الذي امتد شهوراً ستة آنذاك، وأن إنهاء الاضراب لا يعني العودة الآن إلى التعامل مع اليهود .
…استغرق ذلك بعض الوقت. ولم أنتبه إلى حقيقة وضعي، وإلى مدى ابتعادي عن القرية، وأمي التي لا بد أنها أقامت الدنيا وأقعدتها إلا حين انتهت المعركة. أخذت أجيل بصري فيما حولي فلا أرى إلا سهولاً شاسعة ممتدة حتى الأفق في كل اتجاه، والشمس تسطع مرسلة شواظاً من نار، بعد أن انحدرت نحو المغيب، وطيوراً تحوم فوق رؤوسنا فرادى ورفوفاً، أو فوق عناقيد العنب المتناثرة على رقعة واسعة من الأرض، تنقض عليها ثم تطير محلقة في البعيد. خوف شديد يعتريني.. أين أنا ..؟ أين القرية؟ ما من أثر يبدو لها على مرمى البصر. وحشة قاتلة تكتنفني تماماً. وفجأة انتابني البكاء، لمحني أحدهم. اقترب مني. كان شاباً طويل القامة، مهدل الشعر، محتقن الوجه إثر الجهد الذي بذله مشاركاً في العملية التي تمت للتو. توسمت في عينيه عطفاً، وهو يربت على كتفي برفق قبل أن يسألني :
…- مالك يا شاطر ..؟
…قلت بلهفة و وجل :
…أين نحن يا عم ؟
…لا تخف.. نحن لسنا بعيدين جداً عن البلد. ولكن قل لي لماذا أتيت إلى هنا؟
…- لا أعرف ..!
…- لابأس.. لابأس.. سوف أوصلك إلى أهلك.. ابن من أنت ؟
…- ابن سليم جابر .
…- سليم جابر ..؟ رحمة الله عليه.. أعرف المرحوم والدك.. قتله الملاعين.. الله يجازيهم..
…شعرت باطمئنان لذلك الشاب، وكأني نجوت من الهلاك.. بدت الشمس من بعيد أكثر اصفراراً فيما هي تنحدر نحو المغيب، حتى لامست أطراف الرمال الممتدة تلالاً وكثباناً في شريط يحاذي الأفق. ثم انكسرت حافة قرصها وهي تغوص إلى الأعماق، وبسرعة متلاحقة راحت تختفي إلى أن توارت تماماً، مخلفة في السماء شفقاً وردياً ما لبث أن استحال إلى دكنة خفيفة، ثم إلى ظلام يزحف على الكون، فيما كان صدري يزداد انقباضاً كلما تكاتف الظلام .