…كانت المهمة التي خرجت من أجلها صبيحة ذلك اليوم ولم أعد حتى العشاء، هي شراء بطيخة أولاً. ثم أمر ببيت خالتي أطلب إليها موافاة أمي في الغد، كي تساعدها على صنع ((المفتول)). رأيت الباعة وراء أكياس البصل، واكداس من سلال العنب، وسلال التين، (وسحاحير) البندورة والفلفل والباذنجان، وأكوام البطيخ الأخضر، والأصفر .
…وعلى الرغم من أن بضاعتهم جميعاً كانت بادية للعيان، ملفتة لكل الأنظار، وبوضوح تام، إلا أنهم كانوا يملأون المكان صياحاً بنداءاتهم، التي بدا لي أنه يغلب عليها طابع التضليل، فالكوسا تتحول - بقدرة قادر - إلى أصابع موز ريحاوي ..! و العنب إلى حبات ماس نادر، والبندورة إلى تفاح أمريكي أو شامي. مع أن أحداً لم يقل أن التفاح أكثر ضرورة من البندورة أو الخيار البلدي..!
…جمهور كبير يتجمع تحت الجميزة العتيقة التي قيل أنها عاصرت (سيدنا عيسى) عليه السلام. كان ظلها يمتد على مساحة شاسعة من الأرض، أتخذ منها الباعة مكاناً لسوقهم. اقتربت من ذلك الجمع. أحدهم يتحدث منفعلاً. أخذ صوته يعلو ثم يعلو حتى تحول إلى صراخ، ما لبث أن أعقبه هياج بين الحاضرين، الذين انطلقوا بغتة متجهين جنوباً على طريق الاسفلت، وهم يرددون هتافات وشعارات تندد بالاستعمار، والانتداب، واليهود، والهجرة اليهودية، ووعد بلفور، والمستر (دل)، ولجنة (بل) ..! لم أشعر إلا وقد وجدتني بينهم، وسط سهل فسيح يمتد حتى الأفق. عندئذ فقط أدركت أننا مشينا طويلاً حتى بلغنا هذا المكان .
…بدأ الخوف بنتابني. بيد أني أنشغلت عن خوفي حين رأيتهم يتعرضون لقافلة من الجمال، يوقفونها، ثم ينزلون حمولتها من سلال العنب، فيما صيحاتهم الغاضبة تتردد في جنبات السهل، أخذوا يدوسون محتويات السلال بالأقدام، في حين عمدت أنا وأمثالي من الغلمان إلى تخاطف عناقيد العنب الماسية، كحبات الكهرمان في السبحة التي كان يداعب جدي حباتها كلما أتى لزيارتنا...!