…مضينا نغذ السير في جماعات متفرقة، والشاب لايني يحاول التسرية عني، إلى أن لاحت عن بعد أضواء خافتة، فبشرني صاحبي بأنها أضواء القرية.
…كغريق تلامس الشاطئ قدماه، غمرني إحساس بالارتياح. رائحة أشجار البرتقال الأليفة، تعبق الجو من حولنا، في طريق خلال البيارات، وسياج أشجار الغيلان الذي بدا في الظلمة فاحماً .
…الأضواء تكبر، رغم خفوتها، فيما نحن نقترب. معالم القرية تتبدى أكثر وضوحاً. بلغنا مشارفها حين تناهى إلينا صوت المؤذن لصلاة العشاء يتردد في الأرجاء جميعاً، موحياً إليَّ بالطمأنينة والسكينه ..، ومشيعاً في نفسي السلام .
- 7 -
…رأت أمي - إثر تلك الحادثة التاريخية - أن تجد لي عملاً مناسباً، أقضي فيه ما تبقى من عطلة الصيف. وبعد جهد غير يسير، تمكنت من أن توفر لي ذلك العمل، بتوسط من الحاجة سكينة، لدى زوج شقيقتها أحمد الجمل، صاحب دكان الحلاقة قريباً من ساحة سوق الثلاثاء .
…ابتهجت والدتي لنجاح مسعاها إذ كانت تأمل أن يتحقق لها، من وراء ذلك، هدف آخر، هو أن أكتسب (صنعة في اليد) تكون لي وللأسرة جميعاً (أماناً من الفقر) في مقبل الأيام ..! ولربما حالفني الحظ فغدوت حلاقاً مرموقاً. (وما ذلك على الله بكثير..!)