…لا بد لي - بهذه المناسبة - أن أسجل أن ترتيبي في المدرسة كان الثاني، قريباً مما أراد أبي. فملأني الزهو، وأحسست أنه (أي أبي) يبتسم لي من عالم الأبدية. وزادت نسبة مشاجراتي مع أبناء الحي بعد أن شعرت - أو شعروا هم - بتفوقي عليهم ..! وحين تذكرت أبي ذلك المساء وفرحه بنجاحي لو كان حياً. بكيت بحرقة، وغطيت رأسي بالفراش كيلا تلحظ ذلك أمي جاءني من بعيد، وئيد الخطا مشرق المحيا، ابتسم لي وهو يضمني إلى صدره. ربت على ظهري، مسح رأسي بكلتا يديه، أمعن النظر في وجهي. قبلني. ثم استدار ليمضي عني، أصيح بصوت لايخرج من حنجرتي ضارعاً اليه أن يعود. لكنه يمضي متوارياً بين أشجار كثيفة عالية تلامس صفحة السماء ... !
…خرجت يومئذ لقضاء شأن من تلك الشؤون التي كانت تكلفني بها والدتي. وبدلاً من أن أعود في غضون خمس دقائق، هي الوقت الذي يقتضيه ذلك الشأن، عدت بعد انقضاء خمس ساعات كاملة. لم تدع مكاناً دون أن تبحث عني فيه. سألت كل الجارات، والمارة. أرسلت في أثري رفيقي "صالح" الذي لم يمنعه من القيام بذلك الواجب مشاجرتي معه البارحة. ذهبت بنفسها إلى محل "ابو درويش" الحلواني. لعل سعيداً يعرف شيئاً عني. بل أوشكت - حين بلغ بها القلق مداه - أن تبحث عن (المنادي) كيما يعلن في الحارات القريبة والبعيدة عن (الولد الضائع). غير أنها فكرت - كآخر سهم في جعبتها - بأن تذهب إلى منزل خالتي نعمة عند " سوق الجميزة". وما أن رأتها شقيقتها حتى أقسمت عليها أن تتناول الغداء عندها، مطمئنة إياها بأن " الولد " لن يلبث طويلاً حتى يعود من تلقاء نفسه. ولكن أمي الملتاعة ردت بحنق ظاهر :
…-(بالك فاضي وعيشك راضي يا نعمة.. أقعد عندك أتغدى والولد ضايع؟)
…ردت خالتي بصوت ممطوط، لا يوحي بعظيم أكتراثها - كما ينبغي - لغياب ابن شقيقتها الأثير، مما أثار المزيد من حنق أمي حين قالت :
…- لا بد أنه يلعب الآن مع أمثاله الشياطين، وأنت هنا تتقلبين على جمر ..! استهدي بالله يا شيخه ..! صدق من قال قلبي على ولدي وقلب ولدي على حجر..!
…- لا إله إلا الله. يا حبيبتي يمكن يغيب الولد ساعة زمن أما خمس ساعات.. تصوري يا نعمة خمس ساعات. لا بد أنه صار له شي...!).
…استبد بها القلق إلى حد أنها لم تتمالك نفسها من البكاء، ثم راحت تغلظ الأيمان بأنها سوف (تأكلني بأسنانها) حين أعود -كان هذا هو قسمها المفضل - ولكن المهم أن يعود أولاً..!