كان السجناء يخرجون من غرفهم ويعودون إليها، راقبوا طلوع القمر بعد العشاء بقليل، ربما يرونه للمرة الأولى من سنوات، مرّ القمر بعد طول ترقب بالرملة يحجل على قدم واحدة، مر قبل أن يستحم أو يغسل وجهه، مازالت آثار الكرى تغطي عينيه، جاء عابساً، كتم ضحكته ونوره، حاول السيطرة على كرويته ليظل رشيقاً، مر النسيم أمام أنفه عطس وتخلص من بقايا الدخان العالق في رئتيه، حين تعدى غيمة رمادية، إذ كاد يختنق فاستمر يسعل سعالاً جافاً، ليخرج ما علق في صدره، فعل ذلك مرات عدة قبل أن يسطع نوره .
اشرأبت الأعناق إلى الأعلى في حالة ذهول لامثيل لها، قبع عمر في زاوية الغرفة وضع يده على خده، الحزن ماثل في ذاكرته، الخيول تتسابق حول دائرة لايزيد قطرها على شبر. جياد هرمة تدور دورتين ثم تجثم على صدره، كتيبة ارتدت وسدت النوافذ التي تصله بالعالم من خلال ما يدلف للغرفة من أناس وأخبار وقصاصات، مشاعر الإحباط تلفه، لا شيء يدعو للتفاؤل، وضع يده على خده بدا عليه التعب وأصابه شحوب وهم.
سافرت الغيوم وتبددت في فضاء الصحراء الواسعة، التي ظلت تروي برمالها وعطشها القلوب الظمأى. أخذت إجازة طويلة يوم رحلت أشهر الشتاء ومعها نيسان، لم تترك للناس سوى لونها وعتمتها. من يومها والسوافي تقتحمك أسوار السجن، فتدخل رغماً عن الحراس، وبعضها يسقط جريحاً عند البوابة الخارجية، فتتكدس أكوامه على شكل هضبة .حدق الشيخ إلى رفاقه وقال بينه وبين ذاته:
" عمر من الرجال النادرين الذين يبتسمون وهم في أشد حالاتهم حزناً. مخلوق عجيب دمعته عزيزة لدرجة أن خروجها يساوي رجولته، تظل واقفة أو متوحدة مع قطرات دمه ".
الحياة حقل مجدب وواسع كصدر يمرغ الصغير فمه على حلمتيه ولا يجد قطرة حليب، صدر يمرغ فيه آخرون وجوههم فلا يجدون اللذة. في تلك الليلة سهر لا ليسمع غناءهم ومرحهم بل ليردد تناويح قلبه. تذكر أن الحياة جميلة، ضم يديه إلى صدره فارتدتا وعاد الحزن يتشكل من جديد دائم الحيوية والرقص البهيمي .