تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لم ينم تورمت عيناه من السهر، وثقل رأسه، أصوات منكرة تأتيه مع الموسيقا، تحسس مقدار الحزن والمصيبة، لكن النوم سلطان يأتيه للحظات، يطبق جفنيه وكالمقروص يهب مذعوراً. طال الليل وتمدد، وكأن الزمن انمحى من الوجود، إذا توقفت الدقيقة نافشة شعرها مشهرة أظافرها في رقبته. تمنى أن يتحرك الوقت كعادته ولا يقف على قدمين عرجاوتين تمنى طلوع الفجر. الأصوات في الخارج تؤذي حواسه. أغان ورقص ومزاح وقهقهات تنتشر في سراديب السجن. أنصت الفجر لهذه الأغاني فنسي إنهاض الشمس التي غطت في سابع نوم، فما كان منه إلا إدارة ظهره للشرق. لم يفق أي من السجناء كما لم تغرد عصافير النهار، تخيل أصواتاً آتية من الشمال، أصغى فإذا بها زقزقات، فرك عينيه واستحضر حواسه ليتأكد إن كان ما شعر به حقيقة أم وهماً.. احتفت الأصوات وبدا المكان مهجوراً. لا صوت ولا حركة سوى دقات قلبه التي تصل إلى اسماعه واضحة ، مازالت أذنه متعودة على السهر وسماع الأغاني حتى ساعة متأخرة وأحياناً يظل مستيقظاً، تذكر أم كلثوم في أغنياتها الجديدة وسهره معها لحظة بلحظة، حين كانت تقدم أغنية الموسم فتردد الآه والهوى والجراح .

الظلام ينقل صوت " ياظالمني " وهي تردده وتمزق المناديل منديلاً تلو الآخر، وتتعالى الصيحات. كاد يصيح مع الصائحين، لكنه في اللحظة الأخيرة لم يفعل. غلت أمه البابونج ودارت بيدها دورات عدة حول رأسه وهي تبسمل وتقرأ بعض الأدعية، ثم تتثاءب، اللؤلؤة الغالية تنحدر تجاه خدها، تتلوها لآلئ أخرى وهي تقول " سلامتك يمّا عمر يا غالي، نذر وأمانة إذا شفيت لأذبح خمسة ديوك وأجمع نسوة الحارة في هذه الغرفة وأقرأ المولد النبوي، وأوزع عليهن وعلى أطفالهن صرر الملبس ".

برت بوعدها. بعد أسبوعين نزلت إلى السوق واشترت الديوك المنذورة وصرر الحلو ودعت جاراتها ونساء الحيّ. بعد المولد مباشرة شعر بأنه قوي الجسم ومعافى أمدّه الله بقوة من لدنه .

رأسه ينوس ويتمايل إلى الخلف والأمام، فيرتد النعاس مع ارتداد رقبته إلى الخلف، يفرك عينيه تارة ثم يعتدل ويقعد. في هذه اللحظة أفاق الشيخ خالد كعادته صباحاً تعوذ من الشيطان الرحيم ووحد الله ونظر حوله. النور المتسلل قليلاً ساعده على الرؤية. فسلم عليه وقال:

- أمازالت مستيقظاً؟

- ما الذي أفعله إذا كنت في وضع نفسي صعب؟ سوى قتل ذاتي. في ليال كهذه يطير النوم من عيني!

- وحد الله يا رجل وطرد الشيطان ... أنا سأدعو لك في صلاتي .

روايات · الصفحة ١٣٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٣٠٠