في الأيام الثلاثة الأولى لم يتكيف عمر مع هذا الجو، فوضى، إزعاجات، مشاحنات مرض وأصيب بالدوار ووجع المعدة، ناوله حايم حبة معدئة فرماها في وجهه وقال له :
- سأظل يقظاً من أجل أمثالك .
التفت السجناء إليه، عرضت ابتساماتهم وزينت ثغورهم. بدأت الشكوك تحوم حول بدر في الأيام الأخيرة، راقبوه، استدعي من قبل الإدارة، فسارع عمر إلى تفتيش ملابسه، وجد عنده دفتراً دون فيه بعض الملاحظات عن السجناء، وعلبة أقراص منوم وزجاجة شراب لها الفعل ذاته، إضافة إلى كمية من الحشيش. عند عودته تعاون بعض السجناء عليه، أدرك إنه اكتشف حاول الهرب إلى غرفة العار، فلم يمكنه عمر من الوصول إلى الباب وإخبار العسكري بقراره، ناوله ضربة على بطنه وأخرى على خده فوقع مغمىً عليه، قعد على بطنه، سأله:
- ما الذي فعلته يا خائن ؟
- سأعترف بكل شيء فقط أبعدوا يد عمر عني.
- نعم أنا مذنب وأطلب الصفح، كنت أتجسس عليكم.
- لم فعلت ذلك ؟
- وعدوني بإخلاء سبيلي. أنا مكلف بنقل تقرير نصف أسبوعي إلى الشاويش، وإلى الآن لم يفوا بوعدهم لقد خذلوني. أنا تائب على يدكم .
لكن هذا لم ينقذه من الضرب، وصل صوته بعيداً فحضر كل من حاييم والعسكري ناحوم والشاويش يعكوب، الذين دخلوا إلى المهجع وخلصوه من الموت. اقتادوا بدراً، ومن يومها لا أحد يعرف عنه شيئاً .
رمى الشيخ خالد الحبوب المهدئة وكمية الحشيش في المرحاض وسكب فوقها الماء حتى تأكد أنها وصلت إلى المجرور العام. استغفر ربه وجلس مكانه، تناول القرآن وبدأ يقرأ سورة يوسف. بعد قليل جاء التفتيش فلم يجدوا شيئاً .
عايد ظل طوال أسبوعين تأتيه نوبات عصبية وهستيرية والسجناء صابرون على بلواهم، حتى جاء يوم بدأ الاتزان يعود إليه تدريجياً، لم يمض شهر حتى عادت قواه العقلية بشكل نشط، فحمد الله وشكره كثيراً على خلاصه من بلوى المخدرات، ترافق هذا مع نقل السجان حاييم من القسم.
مع بداية عام واحد وسبعين تخلص المهجع من سيئاته، فقرروا الاحتفال بالعام الجديد، حاول الشيخ خالد واثنان معه عدم المشاركة، ابتعدوا عن الجماعة، حجتهم في ذلك أن الاحتفال الحقيقي في عيد رأس السنة الهجرية، فساد القلق والترقب، استغرب الأكثرية هذا الموقف، ناقشوهم بعصبية، تدخل عمر لحسم النقاش حول هذا الموضوع بقوله: