ابتسمت ابتسامة مليئة بالغصات، وقررت شيئاً ما في نفسها لم تفصح عنه .... أصرت بعد سنوات أن يفعل شيئاً، أن يتقدم ويخطبها ويتزوجا. تركها دون جواب، بدأت تمانعه وهو يماطلها حتى فرت ثانية إلى النوادي .
لم يُر يعكوب مرة واحدة مبتسماً، ينتقم من كل الذين يصادفهم في طريقه لأتفه الأسباب.
تعرف قيادة السجن صرامته وظلمه للسجناء فأوكلته بأمرهم وأعطوه صلاحيات واسعة. كان مميزاً بحنقه وشتائمه وبأنفه الأفطس وشفتيه الدسمتين، قال لعمر:
- استطيع أن أعيدك إلى المنفردة، إياك من التصرفات اللامسؤولة، أي مخالفة في الغرفة ستقع عليك، فقد حدثني عنك مدير القسم عاموس الذي ستمثل بين يديه الآن... أحذرك أي كلمة ستؤدي بك إلى الجحيم .
في مكتب المدير لوحة تمثل السجن وأقسامه وملحقاته ومخطط تفصيلي يبين القسم المسؤول عنه، وخارطة ثانية تبين مدينة الرملة والقرى والبلدات والمستعمرات الملحقة والتلال والوديان المارة بها، قال عاموس :
شكراً سيد يعكوب دعنا وحدنا .
نظر مدير القسم إلى عيني عمر وقال في نفسه كل منا مناسب للآخر في الشكل، فلم نختلف؟ تناقش في البداية معه حول ذلك. فأجاب عمر بما لا بقبل الشك بأن الأمور لا تقاس بالشكل، بل بالجوهر .
عندها دخل المدير في حديثه فقال:
- أنا أريد أن أحكي معك حديثاً ودياً، لن أسجل شيئاً، فليس لدي آلة تسجيل ويمكنك أن تتأكد من ذلك، ولا يوجد من يسجل أقوالك، حتى قلمي سأضعه على الطاولة، عليك أن تناقشني بأفكارك دون خوف وتجيب عن تساؤلاتي، فأنا احترم وجهات نظر الآخرين، وخاصة كونك قيادياً، في البداية أحب أن تحدثني كيف يحيا القيادي في أي منظمة ؟
- يوم كنت في الأغوار كنا نعيش قيادة وكوادر وأفراداً حياة متشابهة. أما اليوم فقد اختلف الأمر، القيادي في أية منظمة يمارس عكس مايقوله، أما الحياة الاجتماعية فهي بالضبط كحياة القيادي عندكم، يأكل أكلاً لا يتناوله أحد من الشعب ويشرب نخب القيادة ويعاشر الشقراوات وله رقم حساب في الخارج.
- إذن أنت علي خلاف مع قيادتك ؟
- نحن لا نستطيع أن نكون إلا مع قيادتنا، فليس لدينا خيارات أخرى، بلادنا محتلة والحكام العرب لا يقبلون ثورتنا.
- إذن لماذا لا تجلس قيادتنا وقيادتكم ونشرب نخب السلام ؟!
- تريد أن تقول الاستسلام وهذا ما ترفضه القيادة .
- وأنتَ؟
- أنا دفعت شبابي وحياتي فداء للثورة والوطن ولن أقبل عنهما بديلاً .
- إذن لن نتفق !