" بحر عكا لا يتوقف هديره حتى في الصيف، يسمع صوت عبابه في أي وقت ليل نهار، صيفاً وشتاء ومابينهما.
لم أنسَ طفولتي على شاطئه الرملي، أبني تلاً من الرمال، أبني بيوتاً يحولها المد إلى رمال مستوية .
كانت شوارعها مرصوفة بالحجارة وبعضها ترابي. الناس تأوي إلى بيوتها ساعة الغروب وقلّ من يتأخر حتى العشاء خاصة في الشتاء، أما الشباب فغالباً ما يسهرون في القهوة .
مازلت أذكر ذهابي للعرس، أمسكت طرف ثوب أمي، قصدن عصراً حارة أخرى إلى الشمال، لبست ثيابها ودهنت وجهها بالبودرة ورشت عطر الياسمين، ارتدت عباءة سوداء فوق ملابسها، وشدت أعلاها على وجهها، شدت يدي وأمسكت بيدها اليسرى أعلى العباءة التي تغطي الجزء الأكبر من وجهها. سارت حتى وصلت قريباً من برج الكومندار حيث بيت الفرح المدعوة إليه. الباب الخارجي يستقبل القادمات، أصوات الدف والغناء يتردد في فنائه، وفي باحته أمسكت عدة فتيات أيديهن ودبكن. قالت أم العروس بعد ترحيبها، كان الأفضل أن تأتي وحدك وتتركيه عند أخيه الأكبر، أنت تعرفين بأننا سنرقص شبه عاريات!
أجابت أمي بخجل وكادت تتعثر بقدمها: جئت به لأنني سأتأخر .
عبقت الروائح العطرة في أنفي، مزيج عدة عطور، لم يكن طفل سواي، النسوة شلحن عباءتهن والثوب الخارجي، فتلألأت الصدور وتدافعت النهود، نهود مكورة، أفخاذ تتراقص ككهرباء الميناء. همست أمي تدعوني لعدم الشغب واللعب مع الأطفال خارج البيت. ألعب معهم وأعود أختلس النظرات لتلك الإلهة المسماة بالعروس فوق عرشها العائم على السجاد والحرير.
الفتيات والنسوة يتبارين في إظهار جمال أجسادهن ومفاتنها ورشاقتها بتعرية الصدر والساقين .
بينما العروس مشغولة بتبديل ثيابها على أنغام أغنية " تمخطري " وعند انتهاء الأغنية ترتفع الزغاريد والتراويد وأغاني الصمدة، فتعود ثانية لخلع القديم واستبدال آخر به، معلنة عن جمالها وألوهيتها، فتبدو بعريها أشبه بحورية خارجة من البحر. تلف دورتين، بينما أم العروس ترش الملح والشعير قبل أن تعود ابنتها لعرشها تاركة جدائلها تسيح على ثوبها الحريري، فتسمعمها النسوة أغنية :
يا أم جديلة منثورة ... ميك دلال وغندره
تبادرها النسوة قرصاً بذراعها وفخذها، ولثماً لخدها أو الرقص معها ."
قام حسان يغني ويرقص بينما رفاقه يردون خلفه، نظروا إلى وجهه ابتسموا وشكروه. إنهم يسمعون هذه المعلومات للمرة الأولى. لاحظ حبهم لمعرفة المزيد .