تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ينظر إلى وجوههم، يمسها ثم يبد أحديثه :

" في عام ثمانية وأربعين كان عمري سنوات، لكنني مازلت أذكر البحر والميناء وجامع الجرار المربع ومئذنته الطويلة المحيطة به والأشجار، اصطحبني أبي إليه للصلاة. النقوش المرسومة غاية في الفن والجمال، أعجبت بجوه وزخارفه سألته: لماذا لا تزين بيتنا مثله ؟

أجابني بلغة الواثق: إن شاء الله

من الأماكن التي قصدتها السوق الأبيض المسقوف الذي يتألف من صفين من الحوانيت، السوق الطويل الشبيه بسوق دمشق الطويل الموصل من باب الجابية إلى البزورية، محلات على الجانبين وطريق مرصوفة بالحجارة ومحلات سمانة وحلويات وبيع سمك طازج. أما المحاذي للبحر فهو شارع الفاخورة فيه عدد من الأبراج، مازلت أذكر جلسات والدي في قهوة البحر ساعات طويلة، أمّلُ فأعود إلى بيتنا القريب من الابراشية، الشيء الذي انطبع في ذاكرتي ومازال يسورها، السور القوي الشبيه بسور صور وبأبنيته ذات الطابع القريب من قلعة صيد أو بيوت جزيرة إرواد .

عكا عقدة طرق تنطلق شمالاً إلى بيروت والزيب وأم الفرج وترشيحا وشرقاً إلى صفد والشام وجنوباً إلى حيفا وصفورية، لقد عدد والدي غير مرة أكثر من ثلاثة عشر برجاً تحيطها، هي مجموعة أسواق وجوامع وأديرة وخانات. كنت أتمشى باتجاه الجمرك والميناء وباب البحر وصولاً إلى الرصيف القديم وخان العمران وقهوة البحر، أتابع شمالاً بمحاذاة البحر وبعدها شرقاً إلى حمام الباشا ومن هناك إلى جامع الزيتون ثم جامع الرمل. عندها يكون قد مضى من الوقت ثلاث ساعات أو أكثر، وتكون أمي في حالة هيجان وجنون، ترسل أخي ليبحث عني ويعيدني، فينطلق عكسي تجاهي إلى خان الشواردة ثم شمالاً إلى السوق الأبيض والسرايا القديمة، ويعود جنوباً قريباً من زاوية الشا…ذلية، وهناك يقف تائهاً لا يعرف إلى أين يذهب ليجدني، فيتابع غرباً إلى البحر فبرج الحديد، حيث يلهو ويلعب أحياناً يسبح فأعود قبل رجوعه، فأجد أمي على نار، ولو لا خوفها من تأخري لبعثتني خلفه. تظل على غاية الشوق والترقب حتى يعود أخي الكبير. فإذا صادفت عودة أبي قبلنا حوّل حياتها إلى جحيم. تتتالى أسئلة دون كلمة إجابة منها؟ لا شيء سوى دموعها " ترقرقت الدموع في عينيه توقف عن سرد قصته. نشف القطرات المتهاكلة على وجنتيه، الجميع منصت إليه، لا مجال أمامه سوى المتابعة، فتح جرح من الحنين للماضي :

روايات · الصفحة ١٢٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٢٧٨