تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نظر الشاويش إلى وجه الحارس وسأل بشيء من الاستغراب، إن كان سمع ذلك بأذنه أم تهيأ له ذلك فصدقه، فوجئ العسكري بهذه الشكوك، حتى كاد يشك في نفسه، فالذي حدث يصعب تصديقه. لكنه حدث معه قبل دقائق. مازال يذكر كيف ناداه ثم تلقيه لصفعة كادت تخترق طبلة أذنه، بعرفه جيداً طويل عريض المنكبين أزرق العينين، كادت قبضته التي شده بها أن تطبق صدره على الباب، يقولون إنه دائم التحدث بالسياسة، يحب النقاش، يقرأ الكتب ويلتهمها. عند الباب أشار الحارس بيده، ابتسم تريدانوا ابتسامة صفراوية ونادى بقوله:

- أنت أيها المشاكس. تعال يابغل ... أنت ياحمار.. يارياضي ...أنتَ أنتَ.

أعادها مرات ولم يتلق أي جواب، مما اضطره إلى مناداته باسمه. اقترب عمر من الباب وقال:

- سمعتك تنادي حيوانات غير موجودة بيننا !

- أنتَ الحيوان وأنت تعرف من أقصد، ولا يخفى على بغل مثلك أن الذي ينادي العسكري باسمه أو بأية لفظة غير " أدوناي " يعرض نفسه لعقوبة شديدة .

- كيف أناديه بأدوناي وهو ليس أكثر من سجان يعتقل حرية الآخرين !

- إذن جهز نفسك لعقوبة المنفردة.

يعرف أن ذلك سيكلفه البقاء بالزنزانة مدة أسبوعين على الأقل. كان سعيداً بذلك، فقد فتح باب التمرد على تلك الكلمة وغيرها، هذا الباب الذي سيلغيها ويجعلها تختفي من قاموس السجن تماماً، إذ بعد هذا اليوم لم يناد السجان إلا باسمه.

مازال الكثير أمام السجناء لفعله، أول شيء فكر به عمر إلغاء حالة الخوف المفروضة من إدارة السجن قبل أن يفكر بأي تخطيط للإضراب، حالة الذل تمزقه من الداخل، تجعله يذوي، يقرأ ما يرتسم على وجوه رفاقه. تأمل وجوههم واحداً واحداً قبل أن ينطق بكلمة. ذاك حسان فياض ابن عكا الذي يهدر كبحرها، والذي رفض أن يقف باستعداد أمام العسكري الذي جاء ذات صباح يصيح " أخشيف " ... انتبه .... لم يرد وبدأ يشاغب ويناكفه، صفر واضعاً إصبعيه في فمه ثم جلس على الأرض. عُوقب خمسة أيام في بالمنفردة، هذه الظاهرة تكررت كل يوم حتى بات ضبطها أمراً صعباً. حسان مجبول من تراب عكا وبحرها، فيه ظرافة البحر ورحابته وفيه خصب الأرض وقوة الأسوار.

هزيل إلى أبعد حد، من يراه يظن أنه لم يذق طعاماً منذ عام، فكاه بارزان، فخور بمدينته، يصرح بأنه ابن التي هزمت نابليون وأفشلت مشروعه، هذا الذي حمل معه مجموعة مشاريع، بينها مشروع لليهود.

عكا روضته، ظل بحرها هادراً، وأهلها رافعي رؤوسهم، تواردت إلى ذهنه صورها صورة تلو الأخرى.

روايات · الصفحة ١٢٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٢٧٧