تذكروا صدر البحر الرحب، فقرروا الاستحمام، قالوا للإدارة هذه تقاليدنا إن شئتم منعنا من الاستحمام، خذونا إلى البحر وارمونا فيه. الابتسامة تتحول إلى تجاعيد على الجبهة، يتذكر العشق وأيامه وسنواته، يتصوركم هو بحاجة إلى كل لحظة من الماضي ليبتسم , فلا أحد مثله يعيش مع هواجسه وهمومه. الجدران مرتفعة، عبلة تزوره كل يوم مرات، وإذا غابت عنه ساعات تعود أكثر إشراقاً وفتوة، تتخطى الأسوار، ينطلق معها، يتذكر حديثها وحبها للمستقبل، تذكر جوابها يوم قال لها، المستقبل نحن نصنعه، لكن مادته ليست طيعة. نحن نعيش ذاك المخزون الذي يمدنا بمعين لا ينضب من اليأس، بكت وصفت حبيبها بالمتشائم، وكادت تفضحها بعض الكلمات لولا قدرتها على التريث، قالت: - ألم تقل نحن نصنع المستقبل
- أمل أن أحقق الحلم الجميل لك ولفتيات الوطن بلا استثناء، المستقبل ياحبيبي ليس كلاماً، ما أسهل التنظير وما أصعب الحقيقة !
- أسمع منك كلاماً غريباً، لا أحد مثلك ضحى من أجل حركة القوميين العرب، الوحيد بين المعتقلين الذي لم يوقع صك التنازل. الوحيد الذي تأخر ستة أشهر دون أن يحني هامته، أنسيت أنهم انسحبوا من الحركة عام ستة وستين إلاك.
- الحقيقة مرة، سامحك الله يا عبلة، ستعرفين أنك مخطئة، لكن ما فائدة ذلك أذا كنت شهيداً أو في إحدى الجبلية أو ميتاً، أما الأسر فلن أمكنهم من نفسي!
بكت ورددت: " لا تقل هذا ياحبيبي "
الزمن قال كلمته ورسم خطوط الطول والعرض ودوائرهما حول عينيه وفي شعره، هذه الدوائر التي تنهي مرحلة لتبدأ واحدة أسوأ. الزمن في الأشكال اللاهندسية وفي الشرايين التي تصلبت، وفي القلب الذي بكى ولم يجد من يضمده. شريط الماضي يعرض صوراً كأنه مغناطيس، تزدحم فوقه وتلتصق به، يمتلئ خزان الذاكرة دفعة واحدة تأتي النظرات والكلمات، أمكنه مرسومة بطرقاتها وأشجارها وفرحها تسيطر على فكره، لا تصمد هذه السلسلة، تتقطع وتتناثر لحظة اقتراب أبو عروبة منه وهمس في أذنه:
-أراك اليوم منطوياً على ذلك !
- بل الفرح فهذا نيسان يحمل احتفالاته ويوزعها في كل مكان ....
- إذن أنت على استعداد لمباركة ما سأفعله ... غداً سترى، إنه كما قلت نيسان فصل الحب والربيع والتمرد. الفصل الذي يهبني القوة والصبر والفرح لتحدي هؤلاء الخنازير .
تذكر أبو عروبة أعراس الأكراد في السليمانية واستقبالهم لهذا الشهر.