أنفاس نيسان هجرت الكرى، أيقظت النائمين، غنت الأطيار، ودقت الموسيقى، سهر الناس، شهر الخمسان شهر حب وطيب وسمر. وزع أريجه ثم ضحك ملء فمه مودعاً البرد، فاتحاً صفحة جديدة في سجل الاحتفالات والمواسم. حيث تدب الحياة في الموجودات، ها هي السماء حضن عذراء، والأرض تاركة عريها وأنوثتها مسرحاً للناظرين. أما البحر فأحس بالدفء بحب الآخرين، بدا قطعة مستوية بلا خيول ولا معارك، رافعاً يديه والزبد في فمه علامة استسلام للحب والمرح، عرضت ابتسامته ليحتوي بحبه الساحل، بينما خفت تيارات المد والجزر وصارت أكثر حناناً ووداعة ورقة، الشمس كغيرها أحست بالحياة وشبقها للموجودات، فانسلت تمطر أشعتها الدافئة وجه اليابسة. الربيع يمد بصره يوزع عطاءه. الحياة صدر ناهد نهض على حين غرة ليتخطى مرحلة الطفولة. زهور برية بيضاء وصفراء ونارية وليلكية، أرخت جفونها وجنونها على الروابي والساحل، أزاهير تعيش بضعة أيام ثم تختفي ضامة بين جناحيها جمال الأرض وفتنتها فتخبئها لسفر سنوات قادمة. من بين الطلائع البرية تلك التي يسمونها شقائق النعمان التي تحكي قصة حب خالدة و عشتار بكل ألوهيتها وأنوثتها بحثت كالبلهاء عن حبيبها، فتشت عنه، تجرحت قدماها، نزا نوراً لطخ هذه الطلائع التي أخذت على عاتقها إنهاء حالة الموت .
مازالت أفكاره تدور، تهيم كالريح كالموجة السابحة التي تناغيها السماء والكواكب والمياه، لا تعرف عن مصيرها شيئاً، ولأنها ظنت نفسها خالدة، فقد صارت رشيقة. الأفكار كالجسد تحتاج إلى السباحة وإلى حمام على البخار. أيوب الجد الذي أصيب بأعفن الأمراض الجلدية وأسوئها، رمى نفسه في البحر ليتخلص من قذارته. حملته شفاه الموج وقبلت كل موضع في جسده، فخرج معافى من قذارته وأمراضه .
قال أبو عروبة: ما أسهل صنع النصر يا جدنا أيوب، لقد أرادوا رمي " اسرائيل" في البحر فخلصوها من كل آثامها وعيوبها.