خلعوا العصابة عن عينيه، دنيا جديدة تتفتح أمامه، البحر بكامل جسده وفتوته وعظمته ورعونته، بكل مافيه من حياة ومرح، الشمس تلقي بكل ثقلها، يستعد لضمها ومضاجعتها لتذوب فيه. شمس داخت من سفر السيارة والطويل، انهزمت إلا أن جاذبية الأرض هي التي أبقتها ملتصقة مابين الهواء والماء لحظة العناق. البحر جسد ينزف، يصبغ شفتيه بالأرجوان، شعره كتلة تتراخى على الشاطئ، ذرا نهوده زبد حارق، الرذاذ المتساقط دموع سحابة ولود، هبت ريح حاره، مسح عرقه بكتفيه وترك النقاط الهاربة تجد طريقها عبر خطين من الجبهة إلى الرقبة فالصدر مادة سكة قطار عبر بنطاله تاركة بقعة ماء عند كل قدم .
البحر نسيج أسطوري ملأ جيوبه ماء وفمه رغوة، جدف بيديه ورجليه ليصل الشاطئ، وعند بلغ الرمال توسخت ثيابه، تراجع إلى الخلف ليسغلها، لم ير نفسه إلا وسط هديره، بينما الساحل بعيد عنه كيلو مترات. قرع دماغه فنبه قواه الحسية، التي جاهدت ثانية للوصول إلى الرمال. هناك تبلل وتوسخ ونسي ذاته فعادت دورة الزمن. أصابه الدوار، ومازال كذلك يشكو آلامه منذ ملايين السنين، تمدد على فرشة كبيرة تلف جسده بعد الغروب، ظل مستيقظاً يساهر القمر.
كان يمكن أن يقول شعراً، لو استمر ينظر إلى البحر ويستقرئه، أصوات تناديه، لم يرد، دفعه جنديان، تسمر مكانه، فكواقيده. مازال يعيش لحظة العشق، يراقب البحر وغياب الشمس والسماء وبعض الطيور الهادئة. ناداه الشاويش تريدانوا، تقدم منه ولطمه على خده، فما كان منه إلا ردها بقوة. فتكوم الشاويش عند قدميه. أدرك أنه اقترف غلطة سيدفع ثمنها غالياً، لم يتركوه إلا عندما وقع على الأرض. الدماء تنزف من أنفه وفمه، عندها تركوه ينام ليله في العراء مقيداً. صباحاً جاءه تريدانوا ومعه جنديان، لكزه ثم بطرف قدمه رفسه قائلاً :
- قم اخلع ملابسك أيها المجنون الذي تطاول على أسياده .
أشار عمر إلى القيد الذي في يده، تقدم جندي وفكه، نظر إليه تريدانوا وأردف:
- سنرى بطولتك الخرقاء إلى أين توصلك. ثلاثة أسابيع مع طلب الزيادة في المنفردة، مع ثلاث وجبات دسمه لجسدك. أنتَ أول من فعلها، سأقطع يدك التي امتدت حتى تصير عبرة. أعطاه العسكري ملابس السجن الصيفية ذات اللون البني الفاتح، مازالت أثار الضرب تؤلمه الكدمات تملأ جسده، عاد النزف ثانية، دفعوه إلى الزنزانة ثم أغلقوا الباب خلفه.