تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تلك كانت طبيعة المدينة البرمائية، طبيعة خلقت بشراً أخضعوا البحر والصحراء. ركبوا المدّ البحري حتى وصلوا إلى شواطئ أفريقية وأوروبة، وركبوا مدّ الصحراء حتى وصلوا إلى ايجبت. أشكلون تلة غازلتها الذكرى، كما غازلها البحر ملايين السنين، تقع بين قلبي أشدود وغزة، وفيها سجن كان مركزاً بريطانياً أيام الانتداب، مساحته الداخلية حوالي تسعمائة متر مربع، فيه ملعباً سلة وطائرة، وبداخله نحلة غير مثمرة يقال إن الانجليز قطعوا أحد جذورها القوية، فطار ثمرها منذ ذلك اليوم. ساحته المربعة مسورة بقناة ورصيف حيث توجد أقسام السجن، وهناك ساحة ثانية فيها غرفة للضباط وأخرى للحراسات والمخزن وغرفة العار، فيه ركن خاص بالتحقيق تحت إدارة المخابرات. سجناؤه من غزة والشريط الساحلي الجنوبي، باستثناء الدفعات الأولى من افتتاحه، التي أحضرت للتأديب. أُ فتتح في الثاني من شباط عام تسعة وستين وتسعمائة وألف بقرار من الكنيست. في الدفعة الثانية من العام ذاته حل عمر القاسم على عسقلان مقيماً.

انعطفت السيارة الزنزانة يساراً واستمرت سائرة، العصابة السوداء على عينيه إلا أنه خمن الطريق السائر عليها. لأن انعطافها وتحول الجهة التي تدخل الشمس منها يعني تخطيها لمدينة الرملة واقترابها من البحر، الرطوبة والحرارة تدهمه، والنسمات اللطيفة التي تتحرك بفعل سير السيارة تتسلل من النافذة الغربية، ضوء الشمس يدخل عبر القضبان، العرق يتصبب منه، إذا كانت هذه حرارة بدايات الربيع فكيف ستكون في تموز وآب ‍! السيارة تتابع طريقها بطيئة لا تتجاوز سرعتها الأربعين، بعد أربع ساعات ونصف وربما أكثر توقفت الزنزانة المتحركة. لم يخطئ ظنه حين تخيل أنها تسير محاذية للبحر، فعلى الرغم من ثقل الشريطة العمياء، إلا أنه أحس برطوبة البحر وشدة الحرارة مترافقة بهبوب ريح غربية خفيفة وهدير الأمواج.

روايات · الصفحة ١٢٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٢٦٧