في ذاك المساء الذي سيسافر فيه، مر على بيت عبلة ووعد أمها أن يخطب ابنتها في أقرب فرصة. رافقته حتى نقطة الحدود وقريباً من المخاضة ودعها، قال لها :
- أنت إنسانة رائعة، صنوبرة، أوصيك بأمك وأمي .
بكت وطلبت منه أن يدعها تعبر معه، عبرت عن ذلك بقولها :
- خذني صديقة، حبيبة، زوجة إن شئت، لا تدعني، سأموت وأذوي كما تذوي الزنابق والأزهار البرية في أرض عطش .أنا نبتة بحاجة إلى الماء والهواء والتربة، كيف تتركني وحيدة؟!
قبلها بعد أن تأكد من خلو المكان " هذه زادي، عودي أيتها الصديقة الحبيبة
عودي وقولي لهم، لقد بدأنا النضال، سأعود لأبني القواعد، سأعود إليك، أنت روحي، عودي وقولي، لن نركع"
لوح لها بيده وعندما صار على الجانب الآخر من النهر، دعاها إلى العودة، قعدت على الأرض وبكت، فاضت عيناها بالدموع فرفدت الأردن. بعد ساعتين من البكاء المتواصل، شعرت بالدوخة وآلام الرأس. نهضت وهي تجفف دموعها الهاطلة دون إرادتها.
- الفصل العاشر -
السماء ترقص بما تحمل في جعبتها من كتل سميكة تتجه شرقاً ،غيوم تنسج خلفها مجموعة مراع، أغلب سحب شباط تنقشع بسرعة وبعضها يختلط بهبوب الصحراء، فتحمل معها إبريقين أحدهما تتصل فوهته بالبحر والآخر بالمد الرملي القادم من سيناء والنقب، هذه عسقلان التي تحتويها المدّان، مدّ من الغيوم ترتفع حتى تتلاشى ومد من الرمال التي تستوعب ما أمهامها. تتوحد فيها متناقضات الطبيعة الماء والغبار، ويجتمع في هذا الشهر فصلا الشتاء والصيف، وكما تختصر المعادلة الرياضية بقسمة حديها على عدد واحد، فقد اختصرت المسافة مابين البحر والرمل في جسدها. من بعيد تتجه السحب الرملية غرباً وشمالاً، مدّ لا نهائي من البحر الرمل الخالي من الارتفاعات والانخفاضات في ظل شروط سيئة، ترقص الرمال عطشى وهي تقترب من المتوسط، تفرد حباتها المكتوية بحرارة الشمس فراشاً ولحافاً، الشمس التي استيقظت قبل كل الناس، أخذت بعض أشعتها من تلك الرمال المتوهجة .