عاد إلى بيته مشياً، لقد تملكت تفكيره، صارت زاده وماءه وهواءه، حبها جعل قلبه ينهص من سباته، مواعيده الغرامية تعارضت مع اجتماعاته وعمله، تأخر مرات عن البيت وعن رفاقه، لم يسألوه عن السبب، فقد تذرع بأن ذلك حصل لأسباب خارجة عن إرادته. حاصره حبها وغيرتها. يدعوها أن لا تغادر حتى لا تفسد كل شيء، ناسياً أن المرأة تفارقها الحياة لحظة تتخلى عن غيرتها .
ذات يوم جاءته عابسة، نسيت ابتسامتها خلفها، بدت شاحبة الوجه، حاول ملاطفتها ففشل. وعندما هم لتركها نادته قائلة :
- مع من كنت البارحة ؟
تذكر أنه ذهب إلى المسجد الأقصى، وجد سياحاً، اصطحب بعضهم إلى بيته وهناك قدم لهم وجبة وشرح لهم شيئاً عن القضية الفلسطينية وأخذ عناوينهم. سألها:
- ماذا تقصدين ؟
- رأيتك مع فتاة شقراء، تقترب منك، تبتسم كعصفورة تستظل بدوحك!
- كم حاولت أن تكوني مميزة ... خطوت خطوات لكن مازالت الغيره المقاتلة تطاردك، هل هذه أول مرة آتي بالأجانب إلى بيتي؟ إنهم سفراؤنا في الخارج إذا اقتنعوا بشيء يدافعون عنه. في بلادهم كل شيء جائز، هناك الحرية الصحفية، يستطيع الإنسان التعبير عن رأيه والإدلاء بوجهة نظره .
- اطلب مني ماشئت، إلا أن أنسى أنني أنثى، والأنثى التي لا تغار بلغت الشيخوخة واليأس حتى ولو كانت في العشرين !
- إنها فلسفة التخلف. من لا يمد بصره إلى الأمام والأعلى، لن يعرف قيمة الفكر، المرأة التي لا تفكر إلا بجسدها رحمها الله .
مد ذراعه ليقربها إليه، أبعدت رأسها وقاومت. مسحت دموعها، فاقتنص الفرصة واغتصب قبلة لها مذاق السفرجل. أقلقه ما حصل قبل لحظات، فكر كيف سيقترن بواحدة تعد نبضات قلبه وتحاسبه. إنه لا يريد أن يدافع عن نفسه حتى لا يخضع لدائرة الاتهام. مازال في بداية الطريق. عيناها ترصدان الضوء لتأخذا كفايتهما من الدفء والنور والحب .
كان عليه أن ينسى فعبلة إنسانة حتى لو أخطأت، أنها فضاؤه وأحلامه، الجبل الذي يحلم بالصعود إليه كما صعد قاسيون، الأرض الخصبة التي تنبت الورود والرياحين، البرعم الذي يولد الأمل ويجعل القلب يدق أكثر، حاول أن يكون صديقها، أن تكون كغيرها من الفتيات، لكنها تمردت على تفكيره، قرأ في عينيها سفر العذاب، هل يمكن أن تحمل فتاة مثلها آلام شعب على ظهرها ولا تتعب ؟!