تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أصبت نصف الحقيقة، لقد غيرت رحلة العودة الكثير، رمقها بنظرة فضحت أسراره، رفعها عالياً قرب شفتيه وقبل شعرها الداكن. شعر أنه سيحملها بين أضلاعه، ستصير جزءاً منه، تتوحد به، وربما تنسيه قصة حبه مع وصال أو يتناساها، وربما يكملان بعضهما بعضاً. لقد زرعت له قلباً بصمامات جديدة وبدم جديد، قلباً يرفرف كالطائر ويخفق كالعلم، لكنه غير قادر على الطيران بدونها. سيحملها في فكره، رفعها بين يديه وتأمل وجهها الباش، تأمله وهو يقطر عرقاً، نشف عرقها هذه المرة بطرف كم قميصه ونشفت عرقه بمنديلها.

لحظة واحدة أدرك أنه يحمل الحياة، يحمل حبه وسعادته، وأن عبلة ملهمته وعشيقته وكل ما بقي له في هذه الدنيا ،هي نصيبه من حواء، خمنت ما يدور بخلده، عرفت أنه حملها ليس بين ذراعيه فقط. بل في فكره ودمه. البسمة لا تفارقها على الرغم من ألم قدمها. ظلت طوال الطريق تدقق النظر إلى وجهه وعينيه، فاكتشفت أن فيهما حناناً ومحبة تكفيان بنات القدس، فكيف إذا كان ذلك لها وحدها، أفلتت الكلمات منه، قال :

- أحبك ياعبلة كما أحب هذه الأرض كما أحب النسمة التي تهب علينا، وكما أحب آخر خيط من الشعاع، وكما أحب بيتي وأمي وأبي وأخوتي، أحبك لأنك الإنسانة التي استطاعت إعادة تكويني .

انطبقت شفتاه على شفتيها في قبلة طويلة، لم يعرفا كيف تخلصا منها، دهمها حرج مسحت فمها بيدها اليمنى ولم تعلق شيئاً بل واصلت النظر إليه .

- تصورت أنك لن تحب أبداً وأنك قاس كالصخر، لاتقل شيئاً. دعني أرَ ابتسامتك، احملني كما تحمل الكتاب، كما تحمل الأفكار التي نناضل من أجلها، أحملني فأنا خفيفة كقشة، كم حلمت بلحظة كهذه! لو أعرف أن حادثة كهذه لها كل ذلك، لفعلتها منذ زمن، وكسرت قدميّ .

كاد ينسحب، لولا أنها عجلت قرع الباب، فتحت أمها :

- هذا عمر القاسم " ياما " حدثتك عنه، التوت قدمي وحملني مسافة طويلة، ولا يريد مما لحتنا!

- أهلاً يا ولدي. تفضل البيت بيتك .

دخلت تحجل على قدم واحدة وتكومت على الكرسي، قدمت الأم الشاي وسألته عن سكنه وعمله. تدخلت عبله وقالت :

- تصوري، سيترك القدس ويذهب إلى الأردن للالتحاق بالعمل الفدائي!

- " يا شحاري "، ما عاد عرفنا الصحيح، شددنا ظهر بالعرب، طلعوا بعيد عنك تنك!

- والله يا أم عبلة إذا لم نحمل قضيتنا دائرة في أعناقنا، فلن يحملها أحد نيابة عنا، ادعى لنا بالتوفيق .

رفعت أم عبلة يديها وتمتمت " الله يقدم الصحيح " .

روايات · الصفحة ١٢٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٢٦٢