أغمضت عينيها، هي الآن أقوى من أي وقت مضى، تمنت أن يظل حاملها لتسعده طوال حياته، فتحت عينيها، الأفنان تتماثل بينما آخر خيط من نور الشمس يبتسم لهما. بدأت تتحسس جسدها، قدمها التي تؤلمها ستوصلها إلى أماكن بعيدة، ستنفذ مهمات خطيرة، ستسافر إلى الأردن كما طلب وتحمل رسالة إلى قيادة المقاومة وتأتيه بواحدة. ارتفعت يداها ثانية، لكن هذه المرة إلى صدرها، تحسست برتقالتي يافا، توثب نهداها وصارا أكثر قساوة، ابتسمت. نظرت إلى وجهه فوجدته سارحاً، وحد المساء ما بين جسدها وغياب الشمس، تأمل انحناءته وتضاريسه، ذكرته بوصال والماضي، لكنه استبعد تداعياته لحظة كادت تسقط من يده. شدها أكثر إلى صدره. فشعر بأنوثتها وحرارة ملابسها .
قعد على الأرض يتخلص من انفعالاته وهواجسه، ارتاح قليلاً، شبكت يديها وهمست في أذنه، أحبك!
أسند رأسه إلى شجرة قريبة، فتحركت غيوم الخصب في رأسه، وشعر أنه يقبل الأرض السمراء لحظة قبل شفتيها، هطل مطر غزير لحظة العناق وغرد عصفور، تمنت أن تظل الخضرة والزرقة تسورها وتحملها إلى فضاءات رحبة لا أعداء فيها، أحست أنها قريبة منه أكثر من أي وقت مضى، بعد مدة ليست طويلة شعرت أن ألمها يتلاشى. فقالت :
- دعني هنا سأعود وحدي .
- هل تخجلين ؟
- لا أريد أن أتعبك أكثر .
تركها تمشي فأشارت بيدها إليه، مازالت تتألم. لا بد من بقائه معها وإصالها إلى بيتها، تحسست قدمها فشعرت أنها كبرت وانتفخت، كما شعرت أن نهديها كبرا أيضاً، وأن حبها كبر.
دهمها شعور بالعزة تأملت الطبيعة وسرحت بفكرها في عالم خيالي، أحست باختلاجاتها وبدفقة فرح أتتها مع الريح التي أخذت تداعب نسيماتها شعرها. ضغط على يدها ليعيدها إلى الواقع، رفعت رأسها وحدقت به وقالت :
- هل رأيت فرح الطيور وسمعت زقزقتها ؟
- ليس هذا بل زقزقة أشياء أخرى .
نظر إلى الأفق، ليسمع ويرى حبور العصافير وشدو البلابل، أما في البعيد فقد استعد الفلاحون للعودة إلى بيوتهم فرحين، حركت النسائم التي اشتدت قليلاً أوراق الأغصان وجففت جبات العرق، كما ذكرتهما الشمس المختبئة بين الأغصان بالوقت.
- الطبيعة تضحك لنا، الآن عرفت أن لك قلباً !
-وهل هناك عاشق يعيش دونه ؟
- أنت قبل هذا المساء .