تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

- لا تقل ذلك، سأبحث عنك كما فعلت عشتار التي وجدت حبيبها، فأعادت الخضرة والحياة. سأسافر إلى الأردن إلى أي بلد يمكن أن أجدك فيه، يصعب عليّ أن أنساك أو أتزوج غيرك. ستظل جسدي أرضاً بوراً يستعصي حرثها، سأعيش بلا قلب وسأدفن ذاتي بين أربعة جدران أشبه بشامية تقصي عدتها بعد وفاة بعلها .

بعد أيام الحب العارمة والأشواق الملتهبة التي عاشها في دمشق، ظل يعيش على ذكراها ردحاً من الزمن، ما كان لواحدة عادية أن تعيد أمواجه الساكنة إلى سالف حركتها، الوحيدة التي لها قدرة الإعجاز " عبلة "، تلك المخلوقة العجيبة التي استحوذت على احترامه، رأى فيها سحابة ماطرة تحمل بين جناحيها المياه للبراري العطشى. مجدة مثابرة استطاعت تحريك أحاسيسه. في البداية قارن بين الوجه الأبيض والشعر الأشقر وحمرة الشفاه وكل أساليب التفنن والمكياج ووجه عبلة فرأى الأخير باهتاً .لكن هذا الرأي لم يصمد طويلاً، غزته من الداخل وتغللت في مسامات جسده. أبدى إعجابه بقدراتها السياسية والاجتماعية، كلفها بمهمات الاتصال حين كان مراقباً، تأتيه تخب كالفرس الأصيلة، عيناها ضاحكتان شاردتان، تمتلئان خصوبة وندى. تقف أمامه تشرح له كل ما مر معها. ذات مرة كان متضايقاً وحائراً، شعرت بذلك، قادته من يده. سار إلى جانبها كطفل وديع، ابتعدا عن مدينة القدس كثيراً. استحثته على الحديث ليعبر عن موقفه وآماله وخططه بعد حزيران سبعة وستين أجاب:

- أنتِ ما بقي لي بعد الهزيمة، وأرجوا ألا أفقدك، تعرفين أنني مطارد من سلطات الاحتلال! لن أحملك فوق طاقتك، أنا أفكر بالخروج والالتحاق بالمقاومة. أنشد :

"إن حب الأوطان عدل، وحلم، وثبات، وعزة، ووفاء .

وأصطبار على الزمان، وتأليف قلوب، وغيرة وإباء .

وجهاد في كل فضل، وحرية قول، وأنفس شماء ."

رحمك الله أيها الأديب اللبناني الشيخ نجيب الحداد، هل تعرفين مطلع القصيدة.. إنه :

ليس حب الأوطان في لبس خز، واختيال تغار منه النساء

روايات · الصفحة ١٢٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٢٥٩