تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اقتربت من أمها ضمتها وعانقتها ثم قالت :

- سامحيني إنه الحب .

لم ينفعها دخولها التنظيم، ظلت علاقة الصداقة والحب في حدود خربشات الشباب، ظل مستقبلهما غير مطروق، بعد التخرج وقبل سفره بأيام قالت بأنها مستعدة أن تذهب معه إلى آخر الدنيا، شريكطة ارتباطهما بشكل رسمي .

تجاهل كلامها، خاف منها وعليها، على يديها الطريتين وعلى جسدها الناعم أن يخدش. خاف أن تسوّد الأيام في وجهها، الظلم بشع، تأمل تقاطيع وجهها وحدق بعينها، قال: " الليلة سهرتنا حتى الصباح ".

قبّل كل موضع في جسدها، وعندما تسلل الصباح، شعر أنه لم يرتو، فأجل سفره يوماً كاملاً، وهي إلى جانبه لم تبارحه، وعندما ودعها أحس بشوق للبقاء معها، حدثها بأحاسيسه فأجابت :

- مر يومان كدقائق لا تتجاوز أصابع اليد، لن ترتوي يا عمر لو بقيت إلى جانبي العمر كله، فالذي يرتوي من المرأة لا يصلح أن يكون لا صديقاً ولا حبيباً ولا زوجاً .

عاد بخياله إلى ما قاله رفاقه بأن ماء دمشق لا يروي الظمآن، يغب منه ويظل عطشاً، مياهها أنثى، نساؤها خفيفات الظل، لوحملتهن في قلبك العمر كله، فإن حملهن خفيف.

مع تباشير يوم جديد مازالت فيه الشمس تدفع برأسها إلى الأعلى، قال:

" أين أنتَ يا صبح، برودتك تزيد شفتيها نداوة ة

ونورك يزيد عينيها اتساعاً "

بَعُدَ جسد وصال وتوسدت عيناها حافة الحزن، بينما روحها لم تبارحه لحظة واحدة، لن تجد أمواجه بجراً أو شاطئاً تسكن إليه، الفرح الذي خبأه في طيات ثيابه وملأ به جيوبه يرحل إلى غيره، والنور الذي لازم ثغره يندحر، تكفهر سيماؤه، من الصعب أن ينسى سفره في عينيها وتوحد خضرته مع هالة الضياء. نوبات الحزن التي تأتيه لا يعرف سببها ولا مصدر عويل قلبه، ولا أمواج التيه والشرود التي تلازمه .

وصال رعت حقل الحب وسهرت حتى أورق الشجر وأعطى الثمرة، ولم تستطع أن تقطف الكروم، مازالت العناقيد حامضة، وسيظل حصرماً، هذه الحقيقة أدركتها في وقت متأخر وبعد سفره. ظلت حياتها حالمة، بقيت آثار ارتعاشها للمسات يده وذكرياتها مع كلماته وحديثه عن حركة القوميين العرب، التي ستفتح عذرية المستقبل، لتصل إلى الفرح والغمامات الماطرة، ماثلة:

- عندما ترسم السماء أشكال الفرح وتدق نواقيس الحب، فاعلمي أن المستقبل في يدينا، نستطيع أن نتحدث عن الحب، وأن أعدك بما لم استطعه الآن، أما إذا امتدت الغيمة كالأخطبوط، اعلمي أنني هالك لا محالة، وأن الحياة هزمتنا .

روايات · الصفحة ١٢٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٢٥٨