تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ابتسم وقرر من تلك اللحظة أن لا يقاوم رغبته الداخلية في إقامة علاقة مع الدمشقية، التي أصابته شباكها. هروبه منها يجعله يفكر يقربه أكثر، إذ تمضي عليه أيام دون نوم ولا دراسة. إنها الحقيقة التي عليه الاعتراف بها. الوجه الأنثوي الدمشقي يطارده، جسدها النحيل يعطيها رشاقة تضاف إلى خفة دمها، أغمض عينيه وبعد طول تفكير أقر بنوع من الهزيمة، لابد مما ليس منه بد، سألها بعد نقاش سياسي ساخن دار بينهما :

- أفكارنا متقاربة، لماذا لايوحدنا عمل تنظيمي ؟

- أنا لم أرفض لك طلباً .

طار من الفرح، بدأ يشرح تاريخ تأسيس حركة القوميين العرب وتطلعاتها وشعاراتها وامتدادتها من الغرب حتى الخليج وجنوب اليمن مروراً بالأقطار العربية الأخرى، وإعلامها في الخارج، بعد أن أنهى حديثه قالت بدلال:

- أنا أفهم أن الحركة أنت، وأنا أقبل بها على هذا الأساس .

- بعد أسبوع ستنضمين إلى خلية حزبية .

- خلية نحل!

ضحكا، وبدأت كلمات العشق تتدفق كمياه بردى ومواعيد الغرام تأخذ طريقها، وجلسات السمر في الربوة والغوطة ومشاوير الدروب ومذاق الكرز الذي أنساه همومه الصغيرة، قال فيها أحلى الكلام .

يا بردى لا تثرثر، لا تتطاول، لن تخاصر جسدها

فما بين مياهك وقدميها عناق .

قال عن شفتيها بأنهما ثمرتا عناب وعن عينيها الحزينتين بأنهما بوابة " مندلبوم " في القدس، هذه البوابة التي يقف خلفها الأحباب أو الأهل عندما يكون أحدهما داخل فلسطين المحتلة وبقية أهله خارجها .

بعد سنوات العشق، عندما تحول الحب إلى ماض، يوم أنهى دراسته الجامعية في دمشق، قرر أن لا يكرر التجربة وأن تبقى ابنة الرغوة الوردة الوحيدة في قلبه التي تهب الشرايين والأوردة الأكسجين لتنقي الدم أثناء دورته العادية، شمعة تضيء الدرب المعتمة، المحبوبة التي لن تجرؤ أي فتاة أن تأخذ مكانها. لكنه لم يكن صادقاً، العواطف تنتشر دون استئذان وكذلك القلوب، فكما وقع في حب، الشامية البيضاء، استهوته عبلة ابنة التنظيم. فشعر بعد سنوات من عمله أن قلبه يدق فجأة وعلى حين غرة الشرايين والأوردة الأكسجين لتنقي الدم أثناء دورته العادية، شمعة تضيء الدروب المعتمة، المحبوبة التي كما دق في دمشق، خاف قرع الطبول في داخله، صوت دقاته تجاوزت رصيف المشاة ليسمعها عابر السبيل. وكما حاول مع وصال سد نوافذ العشق، حاول ثانية، لكن محاولته هذه المرة جاءت متأخرة، إذ لم يصح إلا بعد أن تسلل الحب إلى كل قطرة دم في جسده .

روايات · الصفحة ١٢٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٢٥٧