لم يكن عمر يفكر بامرأة يوماً، كان من النوع الذي رمى شبابه خلف ظهره، ومش للحياة بخطى مديدة، يقتص من الماضي ويشيد الحاضر لبنة لبنة، المستقبل شغله الشاغل، يسعى ليكون مفصلاً بمقاسات معينة، وعليه لهذا أن يشغل وقته، أن ينسى أن للحياة لذة التمتع، وأن للحياة دعابتها وللمرأة مكانتها، نسي الجنس ومتعته، نسي ذلك حتى جاء يوم قابلته وصال وأصرت على صداقته. قال في نفسه إذا انتظمت في حركة القوميين العرب فهي صديقة ورفيقة درب النضال. عرفت مفتاحه فسايرته، عرفت كيف تذيب الثلج الذي تراكم على قلبه، أذا بته قطرة قطرة وعندما تبخرت آخر نقطة عرف أن له قلباً. وجل وبدأ يفكر، لكن الدقات المتزايدة أوقفت ضخ الدم إلى الأعلى، ارتجف أمامها هرب من عينيها الواسعتين، من كلماتها، كان تصرفه غريباً .لم تدعه وحيداً، ركضت إليه، وقف أمامها مسلوب القوى تائهاً، تحاشى النظر إلى عينيها، إلى جسدها المعجون بالحليب، إلى شفتيها، وعندما حانت منه التقاته، أصفر وجهه، أخبرها أنه مريض. عرف أن شيئاً ما في داخله قد تغيّر، وهو لا يريد لهذا أن يأخذ مكانه، عرف أنه فقد جزءاً من رجولته. جاءته مساءً وعندما وجدته في فراشه، عادت وأحضرت الطبيب، ناداها فلم ترد، ترك الغرفة وذهب إلى الحديقة المجاورة. شعر بارتياح، لكن هذا لم يدم فقد طاردته أثناء النوم، وكلما أراد التخلص من ذكراها، تذكر مواقف أخرى، فسهر طوال الليل. وفي الصباح كان رأسه بحجم بناء الجامعة يؤلمه فلم يستطيع الخروج، قبيل الظهر غط في النوم ولم يفق إلا منتصف الليل .
ظل بعيداً عنها أياماً، حاول الابتعاد حتى في قاعة الدرس، وأثناء الخروج وفي الحديقة الجامعة وحتى عند خروجه. بعد أربعة أيام تقدمت وسلمت عليه، سألته بشيء من العتب، عادت إليه الرجفة. في الطريق حاولت دفعه إلى الكلام لتفهم سبب بعده عنها، وعندما عجزت اضطرت إلى مصارحته :
- هناك حياة يعيشها الإنسان غير العمل السياسي !
- ما مبرر كلامك .
نظرت إليه وأجابت :
- إنها الدعابة .