بعد سنوات ذكرته بقعدة الربوة وبكل الأماكن التي ذهبا إليها معاً، ذكرته بالحب والإخلاص. لبست عقد الفضة الذي أهداه إياه زينت رقبتها، ونظرت في المرآة، مازالت تحتفظ بالفستان الذي امتدحه. نبشت ماضيها عندما جاء يخطبها تاجر من " الحريقة " جلست في غرفتها خمسة أيام كاملة لا تأكل ولا تشرب، تقرأ رسائله، وتعيد كلماته. جاء يخطبها يوم علمت بأسره، لبست فستاناً أسود، بكت كما لم تبك من قبل ومن بعد، فسالت مياه بردى رقراقة، وغطت الغيوم السماء، تجمعت وتفرقت، ثم هبت ريح عاصفة، الجو الرمادي أعطاها حزناً فوق أحزانها، لم تسمع كلمة واحدة من كلام أمها، وضعت إصبعها في أذنيها، ودموعها تغذي ذاك النهر غير البعيد عن بيتها .
ألحت أمها فأجابتها والتحدي ظاهر على ملامحها :
- دعيني أبك سنة كاملة ثم أسأليني مابك، لقد فقدت أغلى إنسان في الدنيا.. إنه عمر القاسم تلك السنديانة التي نبتت بعيداً ... ألا تذكرينه، إنه من دأب على مناداتك في الأيام الأخيرة بكلمات شفافة رقيقة، ألم تسمعيه يناديك " ماما " .
- يا بنتي، فكري، أنت غلطانة هل هو أخوك أم عمك أم خالك حتى تلبسي ثياب الحداد، ماذا نقول للجيران ؟
- هذا شأني ومنذ الآن لن أكلم أحد وأرجوك أن تنسي هذا الموضوع، اتركيني، المصيبة كبيرة !
- أنتِ مجنونة، تضربي أنتِ وعمرك .
- أنت تهرب يا عمر، ما أتعس أفكارك !
- سامحك الله، إياك أن تنقمي عليّ !
سأل نفسه، ماذا حدث لو تزوجنا، أأنت قادرة على تخليصي من السياسة، إنها في دمي ؟! وهل أنتِ قادرة على السير بتاريخ العرب قدماً إلى الأمام؟ كيف أوفر القرش على القرش لشراء بيت؟ وكيف سأحني هامتي لمعلمي وأطيعه بلا حدود؟ أقبل العطاء، أنتِ تطلقين عليه أسماً آخر وأنا أسميه الرشوة، ومن هذه المبالغ وتلك أحضر لك غداء وعشاء ونخرج نتفسح وتقولين لرفيقاتك، كم من المبالغ وفرت واشتركت في جمعيات! بعد سنة أو سنوات تقترحين أن نضع القرشين مع تاجر ليتضاعف المبلغ وبعدها تبحثين عن شقة وأوقع الكمبياليات، تكتبين البيت باسمك وتدعين صديقاتك، وتقدمينني على أنني المغفل الذي كتب لك كل ما يملك! بعد هذا ماذا بقي من الحب يا أبنة الرغوة! كنت ستقبضين عليّ كما تقبض الشرطة على لص .
فتح عمر عينيه فوجد نفسه مازال مقيداً والسيارة الزنزانة لم تصل بعد.
- الفصل التاسع -