الطبيعة في الخارج بهية وجميلة، العصافير تحط على الغصون ثم تطير مغردة فاردة أجنحتها، تغادر جماعات مزقزقة كأنها في عرس أمير، فتحت النافذة فدخلت النسمة حنونة وادعة نشرت عبق الربوة الندي والروائح الذكية. نهر بردى الذي استجمع مياهه صار أكثر تدفقاً وجرياناً، مياهه تكاد تكون صافية .
الربوة التي تبدل ثيابها حسب الفصول والأوقات بدت بهية لكل فصل ثوب جديد ولون، الأنوار المنسكبة على جسدها تتراقص، تتكسر الأشعة فوق الزبد والصخور، فتهرب عبر الدروب الملتوية التي تضم إلى صدرها الأشجار، أعلاها الحور ذو الأوراق الراقصة والمتلاعبة مع النسمة ثم الجوز الذي يبدو أكثر خشونة ورصانة، أما الصفصاف الغض فينحني ويتمايل كغجرية أمضت خياتها تبحث عن رزقها بنفسها وبهز جسدها، تذكر أنه قبلها قبل يومين عند شجرة جوز عالية، ونقش اسميهما على جذعها، ساعة كاملة وهو يتفنن بكتابة اسمها، يومها شعر بمرح غريب فبثها أفراحه، قال:
- أشعر أن القبلة بغفلة عن الناس وبمباركة الطبيعة شهية ولذيذة إلى درجة أن حلاوتها ونداوتها تغذيني بدفء وشعور عارم بالحب والحنان .
قرعت الطاولة بإصبعها وقدمت له الطعام بشوكتها، ابتسم وطلب المزيد، وعندما شعر أن عليه أن يفعل مثلها قرب كرسيه بحيث صارا متلاصقين .
- ابتعد، أنفاسك تحرقني، هذا مكان عام .
لم يذعن لحديثها وربما لم يسمعه، تغزل بها فقال:
- أنتِ جذابة !
- وكيف تسافر دوني !
- أنتِ في قلبي حتى ولو كنت بعيداً عنكِ آلاف الأميال .
بان حرجها فعاد إلى مكانه، شعر أن التقابل يجعل كل منهما في حضرة الآخر .
عيناه البراقتان تتلمسان مواطن الجمال والرقة والأنوثة، يراقب مضغها للطعام، تعبيرات وجهها، ابتسامتها ونظراتها، شعرها الذي انحنى وتطاير مع النسمة، يستحم بندى الغيوم ورذاذ الماء المتطاير من بردى، شعرها منطاد فبقدر سروره لارتفاعه يخاف اختفاءه، الشعر يتمايل ويتطاير على أنغام أغاني فيروز، تصوّر أن الرحباني ربما استلهم بعض ألحانه وهو يراقب شعر محبوبته الذي طيره ريح الموج .
بأطراف أصابعها تجمعه لتعيده إلى سيرته الأولى، لكن الريح لم تبارحه كخيمة بدوي واقعتها العواصف. أذهلته فوضويته وتمرده، دارت في ذهنه أفكار حول العلاقة بين الشِعر والشَعر وكيف تلحن القصيدة على أوتاره ... شعرها المعانق للأفق هو ما أشعل خياله، جعله يشكل لوحة سريالية، فيهيم في عالم روحي قلما يأتيه :
- بماذا تفكر ياحبيبي ؟