أنهى الخدم إحضار الصحون والشواء . تناول بعض المقبلات وهو يتأملها، حثها على الأكل، ناولها قطعة لحم وأخرى، وفعلت الشيء ذاته، كانت مرحة لدرجة أنها فقدت السيطرة على كلماتها، حدقت بعينيه، شعرت بالنعاس. هدأت تقاسيمها الثائرة، روادها شعور غريب لا تعرف من أين جاءها، بدأت تتخيل ماضيه البعيد، انتفضت وبدت قلقة، تخلصت من هذا الهاجس بمراقبتها للطبيعة، لكن هذا الإحساس عاد إليها مجدداً ،
سألته :
- ألم تلفت انتباهك فتاة غيري َ
- ربما لفتُ انتباههن، مابك أراك قد غيرت الموضوع
ظهر عليها الانزعاج، أغمضت عينيها، حاولت التقليل من وقع كلماته والسيطرة على مشاعرها، لكنها لم تقدر، فطلبت أن يحدثها عنهن .
- عن أي شيء أحدثك؟ عرفت فتيات من خلال التنظيم والدارسة، أيتها المجنونة صدقيني أنت التي دق لها قلبي، أنت الحب الأول يا وصال
- لو شعرت بأنك تخدعني سيكون هذا حداً فاصلاً بيننا .
ارتاحت يدها التي لوحت بها وهي ترتجف، ولم تعد تقضم أظافرها بحركة راعشة، نظرت إلى أصابعها ووضعت كفها على الطاولة فتناغمت حركاتها مع عودتها إلى طبيعتها المرحة.. صحيح أن الخوف ملأ قلبها، وأنه ربما كذب، لكنها كذبة بيضاء، ماذا لو قال لها عرفت الكثيرات وبدأ يعددهن، لكانت صراحته الحد الفاصل، مع أنها تصرح بأن الماضي لايعنيها. ما بها ترتد إلى العشائرية وهي أبنه أفضل حي في دمشق؟ هل هو الجنون ؟
نسيت أفكارها السوداء، وتخلصت من عصبيتها التي جاءتها في غير محلها، حين أيقنت أنه رجل .... تسع فتيات في القسم يتحدثن عنه، كل واحدة تطلب وده، دعونه لمرافقتهن، قدمن عروضاً مغرية ليدرّسهن، لكنه لم يكب دعوة واحدة، وهذا مازاد في إعجابها. نظر إلى عينيها الثائرتين، فتاة قلبه في سمائها، وضاعت نبضاته بين الغمامات البيض التي اكسبت شاطئ عينيها ذلك التألق. أما هي فكانت تُنقل بصرها بين وجه عمر والمناظر الخلابة، فاستهواها الحوار الذي يغذ سيره إلى الأعلى. تاهت في عمق الاخضرار والزرقة مابين عينيه والطبيعة وأسراب الطيور التي تحوم فيهما مرحة، اقتربت من زجاج النافذة لتتأمل الانحدار الذي احتضن دفتي بردى، وترفع بصرها قليلاً قليلاً ليتعانق مع رؤوس الأشجار التي ترقص طرباً، تاهت في بحر الجمال، فتناغمت كلمات الحب مع رقرقة المياه وغنائها وهشاشة الصخور التي فتّتها الطبيعة.