تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

- كم تشبهين يارام الله دمشق! تلك الأبنية ألا تشبه حي القنوات ؟

وذاك الشارع ألا يشبه شارع النصر؟ وتلك القهوة أليست أخت قهوة الحجاز؟ وذاك الوجه ألا يشبه وجه وصال ؟

رن صوتها في أذنه، حركت فنجانه وقلبته على فمه ثم إعادته كما كان فوق صحنه لتقرأ بخته، جاءت نبوءتها التي طاردته: " إذا لم تتزوجني، ستبقى طوال حياتك بلا زوجة و بلا حضن يضمك ‍".

عندما أغلق الشرطي باب السيارة، رفع عمر رأسه ليجد ذاته وحيداً موثق اليدين معصوب العينين جالساً على كرسي طويل من الخشب. اتجهت السيارة غرباً، تخلصت من التلة ثم من رام الله، السيارة بطيئة وأغلب الظن أنها ستصل الرملة بعد ساعة أو أكثر بقليل. استطاع أن يتخلص من العصابة، برفعها قليلاً عن عينه اليمنى. عاد يتأمل صورة الله في البساتين، فتنقله أفكاره إلى معالم وعوالم منسية .

توقفت السيارة وصعد الشرطي يتفحص الغطاء الذي على العينين، شده جيداً وحذره عدم محاولة رفعه ثانية، لطمه على وجهه وشتمه ونعته بأوسخ الألقاب .

انقطعت المناظر، تخيلها وتخيل الطريق والسماء، لو لم يكن معصوباً لعرف كل المنطقة وتمتع بالمناظر الرائعة، لكنه ظل يتمتع بذلك على الرغم من الغطاء الأسود السميك، إنه الآن يرى بكل حواسه. يشعر بالأشجار من زقزقة عصافيرها، والتلال والمرتفعات نتيجة تعرج الطريق، لا أحد منعه من رسم أشجار الحمضيات وهي تلوح بأوراقها العريضة، ترد على تحية نسيمات البحر. أنفة ازدادت حاسة شمه، يشم كل شيء التراب والأزاهير والأشجار.

- الفصل الثامن -

خرجا من المحاضرة الساعة الحادية عشرة إلى حديقة الجامعة حيث الورود البكر التي نشرت رائحتها، بينما ورود أخرى تتنفس عطرها لتضمه إلى البرعم، فقررت حجب أريجها وإبقاء الباب مرتجاً. دارا دورتين. كانت فرصة نضرة مرتدية ثياباً صيفية، فبدت كالزنابق خلابة وجذاية. داعبها بقوله:

- فيك من الرقة والدماثة ما يجعلك أميرة الربيع ‍

- أشكرك لهذا المديح، لاتنسى دعوتي للغداء في بيتنا .

- اتركي هذا لمرة أخرى، هيا نمضي يومنا بين أحضان الطبيعة، لعل أحد طيورها يقلدك تاجه، أو يرمي بريشة ملونة إكراماً لك ‍

- أمعجب بي إلى هذا الحد ؟

- سامحك الله ألا تعرفين ذلك أيتها الأميرة؟ أقليل عليّ أن أكون معجباً بأرق فتاة كلها دماثة وأنوثة !

نظر إليها وقرأ المرح في عينيها فأضاف: وأكثر البنات شغباً !

روايات · الصفحة ١٢٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٢٥٠