من الشمال لمعت عينا وصال فاختلطتا بالبروق، مشيتها الدمشقية المتأنية وكلماتها المقتضبة المؤثرة، تخلصت من رياح قاسيون، احتضن الأفق شعرها، برزت أنوثتها وهي تفتح قميصها للريح، نهداها يندفعان ويتوحدان مع عصير الأشجار وثمارها، يصيران خمرة، صدر كالملعب تهتم عليه الفراشات تطير بالظلمة، تشرب من النبع، تدب النشوة في جسدها، تمتزج الخمرة بدمها، عيناها العميقتان تستظلان بأشجار الجوز الحور تشعان النور، فتسبح الورود والزنابق بجمالها، شفتاها نديتان على الرغم من الشمس المحرقة اللاهثة وراء نقطة ماء، حركت يدها، جددت الهواء وزفرت زفرات متواصلة وهي تسفح الدمع الغزير، إنه أمامها وهاهي تقف كالصنم تتأمله، تتذكر ما قالته في آخر زيارة للأردن، تردده وكلها حسرة، هذا مصيره يقع في السياج، غيره يتفرج، لم يسمع كلامها يوم عرضت عليه الزواج، وأخبرته بأن جسدها قادر على إطفاء لهيب ثورته.
" آه يا إلهة الحب، كبر الطفل ولم يعد يسمع نصائحك، ملهوفاً يرتد إليك، مشتاقاً لحنانك، وما أحوجه الآن إليك، إلى صدرك، مازال طفلاً ومازال جسدك يزقزق للذكرى .
دعيني لثوان معك، أمارس الرياضة لعبتي المفضلة، وأنا أسمع أغنية تطهرني وتعيدني إلى عالم هجرته، عالم ينبض بالحياة، هيا إلى حياة الجامعة والعشق وبردى والحور المغناج الذي تلبي حركاته الراقصة تغريد البلابل، يتمايل طرباً كلما كنت معي !
آه أيتها الحورة، يانبع بردى، ياقُبلة مازال مذاقها رائعاً! صوتك الرنان يزفني للحياة، يزف لذاكرتي ما قلته عن مستقبلنا، لنتمتع بالحياة فالنضال كشرب سيجارة بلوى لا يستطيع المرء الفكاك منه، معك حقك أيتها المغردة في نخيل أبي رمانة الذي كتب الله عليه أن لا يثمر .
مع الذاكرة الداكنة يرشح الماضي، الذي يقذف بجمه! آه ما أجملك وأنت تقولين بأن للشهوة ثلاثة أوجه، رعبها وظلاميتها ونشوتها. أضيف إليها بعداً جديداً ذكراها! الماضي بيننا، يفرقنا، يجمعنا، الحنان الذي في صدرك دعيه يسافر جنوباً، عله يصطدم بجدار السجن، يتسلقه ويصلني ؟!"
ظل المشهد ملتصقاً بذاكرته وبقي غارقاً في الأحلام، يفكر بها ويستعيد بعض كلماتها " المرأة تجعل الرجل يعود إلى وطنه، فإذا كانت بعيدة فكيف يعود؟
وكيف يشعرها بحنانها و أنوثتها ؟"
تحركت نسمات حركت ما أمامها، شعر الناس بالبرد، الشوارع مزدحمة بالمارة، منهم الذاهبون إلى أعمالهم اليومية، وآخرون جاؤوا لحضور محاكمة عمر القاسم وسماع دفاعه .