وأن الدنيا لم تتغير، تلك هي قرى رام الله ترتدي ثوبها الرائع، الشوارع، البيوت، الناس، " يا إلهي كل شيء على حاله! بل تبدو أكثر نضارة وكأنها قد غسلت للتو! هل لهذه اللحظة ثمن ؟" في هذه اللحظات المعدودة شعر بنشوة الحرية، نشوة الإفراج عن السجين، هذه النشوة التي أخذت تتلاشى مع دفع الجنود له، ينطفئ بريقها عند صعوده إلى السيارة وإغلاق الباب الخلفي وقفله. الآن عاد إليه الشعور بالقهر، فتذكر لحظة الحياة التي مرت به. وازن بينهما وأدرك أن هناك بقية قليلة قادرة على فعل الكثير، ابتسم ورفع رأسه عالياً، رأى السماء مسوّرة بلون أحمر ووجهاً مدوراً مصبوغاً بالاصفرار، وببقع أرجوانية كوجه حبيبته، تطلّ من الشرق وترسم قوساً، يمتد على طول أفق الجهات الثلاث الأخرى. تطلع ورودّ حمرٌ من الشرق وتمتد شمالاً ثم جنوباً وغرباً، لتشكل باقة دائرية لا أحد يدرك كبرها. افتر فمه عندما تصوّر أنها إكليل عروسه التي لم تبارح عيناها وجهه طوال مدة المحاكمة. عبلة منذ الآن هي عروسه، رفعت يدها وشبكت كفيها علامة اتحادهما الروحي. منذ هذه اللحظة سيزورها ويقبلها، وعندما تفيق ستقبض يداها على بقية الحم، ستضمه إلى صدرها وتقبل أنفاسه التي لا تبارحها. نظر إلى الوراء إن كانت مكانها، فرآها مطراً يهطل دموعاً قرمزية، إنها دموع أمه التي ركضت إليه صاحت بأعلى صوتها :
- (لا تخاف يمّا )، الله أكبر، الله معك ياحبيبي .
عيناها الماطرتان بللتا خضرة وسهول وجنتيها، تسللت القطرات إلى عتمة جسدها، فاختلطت بملابسها، تمنى أن يصرخ " سامحيني يمّا " أن يتوقف الزمن وتلتصق روحه بها، أحس بأن رأسه قد ثقل وأن دموعه ستخونه فأشاح بوجهه .
والده الذي ابتسم ابتسامة لا تقهر، رفع قبضة يده ولوح لولده وصاح:
- السجن للرجال، ارفع رأسك عالياً يا ولدي !
هذه الكلمات الجياشة لم تفارق مسامعه، بقيت زاده في الليالي الحالكة، وظلت نديه ترطب روحه.
الغيوم الكثيفة تغطي الفضاء ... اختفت صورة السماء العميقة وبدت واطئة تلتصق بالطبيعة، ضغطت على صدره. المطر ينهمر خصباً كأنه امرأة، ينسكب حبالاً غزيرة كجدائل عبلة. مازالت أذناه تنقلان صدى أصواته، ووقائع احتفاله الأنثوي.