بعد أربعة شهور من التوقيف حوّل عمر القاسم إلى سجن رام الله الواقع على طرف المدينة الشمالي الغربي بانتظار المحاكمة. شعر ببرودة الجو مقارنة مع الرملة التي أمضي فيها أشهر التوقيف، والتي لا تبعد عن البحر سوى كيلومترات عدة، يهبها الدفء في عز الشتاء، ومع ذلك فإن مناخها هو وسط بين الساحل والداخل. أخذت نداوة البحر وبرودة الجبال وحرارة الصحراء، أما رام الله وسجنها فهما بعيدان عن التيارات البحرية وتأثيراتها ولا يصلها دفء البادية أما سجنها فيقع على ربوة " العمارة " مما زاد البرودة التي تتسلل إلى العظام، بردها شبيه ببرد الصحراء أو برد دمشق في كوانين، في حين كانت ملابسه الخريفية التي دخل فيها العملية لا ترد عنه برد السجن القاسي.
مع قدوم آذار الذي يسمونه في رام الله " أبو الزلازل والأمطار فيه سبع شتوات " لكل واحدة طقسها، السماء تومض فاغرة فاها قادحة زنادها، السحب تعربد في الأفق الشبيه بوجه أصابه الجدري. توالت الرعود والبروق، في هذا الوقت وقبيل الظهر، تحركت السيارة التي ستنقله إلى سجن رام الله يوم الثاني من آذار. المطر الهاطل دافئ. شعر بكل ذلك على الرغم من العصابة السوداء الموضوعة على عينيه والوثاق المقيد لحركته، يداه استقبلتا الماء المنسكب فأخذ هطول القطرات على الصفد المسور ليديه، ضربات شبيهة بدقات القلب عند الفرح. تبلل شعر رأسه وهو متجه إلى السيارة. تمنى لو كانت يداه حرتين لمسح شعر رأسه، ولو كانت عيناه بلا عصابة لشاهد المنظر الجميل للمطر. تصور كيف تنزل الحبة على الشارع وعلى الرصيف، فتحدث صوت تك خفيف وتترك أثراً دائرياً، يظل يتجدد طوال الهطول.
شيء واحد يسمعه بدقة الرعد. تخيل السماء وكمية الغيوم السابحة، وقع أقدامه على الطريق تنبئه بغزارة المطر والمدة التي قضتها في الإمطار. النقاط تأخذ مجراها في الأرض وعلى جسده. صدره يتحول إلى نبع ماء، تنزل النقاط على كتفيه، تتسلل من كتفه الأيمن وتواصل انحدارها. لا أحد يستطيع منعها من مواصلة سيرها. يده التي ستلعب دوراً ما في مصيرها أو كتابة تاريخها مقيدة. نقاط أخرى أكثر قوة تواصل اندفاعها، تبدو أكثر حرأة، تأخذ طريقها في المجرى ذاته الذي اختطته القطرة الأولى .