تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أدار وجهه وحدق إلى الحيطان وتأملها جيداً، ثم غادر الغرفة. مازالت الغرفة تلف الجميع في الباحة .

شبك كل اثنين أيديهما وبدأ حركات تقديم وتأخير، أمر المدير تشغيل الإذاعة ووضع شريط راقص احتفاء بنصر عسكري واحد على ستة وعشرين. انطلق الممرض رافي ووضع شريطاً راقصاً وفي يده الأنبوب المطاطي الذي استخدمه كسوط. ضرب الجميع به، رفع يده هو الآخر وقال: " أرأيتم لا أحد استطاع قول كلمة واحدة أوشد السوط من يدي، هؤلاء كلما دسنا عليهم، يصيرون أكثر طواعية، هؤلاء لا يعرفون الحرية ولا الديمقراطية "

صاح بأعلى صوته عاشت القوة والديمقراطية رمز دولتنا وعنوان وجودنا‍

ظل طوال ساعات يرقص ويحرك الأنبوب المطاطي، ويجلد به كل الذين أمامه.

تدخل ضابط وقال: أتعرفون ما معنى الحرية والديمقراطية عند هؤلاء العرب وعند غيرهم من الحكام، إنها شيء واحد وحيد، أن تحكموا الشعب ويمارسوا الجنس والدعارة ويفرغوا كتبهم.

وضعت جوقة السجن المضربين في الوسط وبدؤوا يبصقون عليهم، ثم داروا حولهم دورات عدة، في حين كان الطبيب ركلبويم يبصق على كل من في المكان. قرر المغادرة وعدم المشاركة في الاحتفال التاريخي مهما كلفه ذلك من ثمن، طلب إذناً بالخروج، ألح في ذلك حتى تحقق، خرج من السجن مديديه يصافح الهواء والريح والشمس، في حين كان كل شيء هادئاً تماماً، مسح عرقه ونظر صوب الغرب. الكون صغير جداً، كاد يختنق، ركض صوب الشرق والشمال والجنوب. بعيداً عن السجن وتحت ظلال شجيرات الحمضيات، جلس يتذكر أهله، فقرر كتابة رسالة، فتش جيوبه فلم يعثر على أي شيء. كانت جيوبه خالية، طارت الكلمات من ذاكرته، فقرر الانطلاق إلى بيته .

في صبيحة اليوم الرابع لوجودهم في الرملة، أرسلت السماء رياحها وغيومها. هبت رياح حارة تحمل معها بعض الرمال المسحوبة من النقب وجنوبي غزة. الحرارة تكاد تميع الرمال، ومع ذلك هطل مطر لخمس دقائق أو أقل. اقتربت غيوم داكنة متفرقة آتية من الغرب، التقت مع المرتفع الجوي فالقت حمولتها وغابت الشيء الذي بقي هو العجاج والرمال الناعمة والطقس الخماسيني الذي عاد للظهور فجأة. الشمس راعها ماحدث زادت حرارتها، فبخرت خلال ثوان حبات المطر الفضية لتعود فرحة بقوتها .

روايات · الصفحة ١٢٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٢٤٠