لم يكن ثمة مجال للتدقيق في الوقت، مادامت المعاناة لم تتوقف. صحيح أن الإنسان يفضل الصباح ونور الشمس، حتى عند موته لو خير الموت في النور أم في العتمة، لاختاره مع بواكير الإشعاع الصباحي، وبعضهم سيختار ذلك وقت الظهيرة. أما الذي لا هو مع الأحياء ولا مع الأموات فإنه لا يفكر بذلك، كما لا يخطر بباله إن أشرقت الشمس أم غابت أو أن الذي يرفسه مجند ممرض أم ضابط! المضرب نفسه الذي يتقلب على الأرض قد لا يعلم شيئاً مما يفعله الآخرون، ولا يعلم إن كان صيت إضرابه قد وصل إلى آخر الدنيا وكتبت عنه الصحافة أم أن أحداً لا يعلم به .
المضربون فكروا بذلك قبل هذه الحالة التي يتنازعهم فيها الموت من ثغر الحياة، مازالوا مطروحين على وجوههم، يصافحون التراب ويلثمونه. استند عمر إلى الجدار، الغبش على عينيه، فركهما وحاول التحديق ليرى ما يحدث حوله. شعر بضعف في التركيز ومع ذلك رأى رفاقه بلا حركة. أفزعه هاجس الموت. أنصت ليسمع ما يقال من قبل مسؤولي السجن، سمع أن السجون كافة مضربة وأن الصحافة العالمية في أوروبا وأمريكا غطت هذا الخبر. مازال يذكر ما عدده الطبيب ركلبويم عن السجون المضربة، فبدأ بعسقلان وصفه أخطر سجن بعد نفحة، سجن البنات في الرملة، نفي ترتيا، بئر السبع، جنيد، طولكرم، الشاطئ ... عند سماع المضربين بذلك، شعروا أن قوة خفية جعلتهم أقوياء قادرين على تحريك الجبال. نقل كل من سمع الخبر إلى زميله الذي بجانبه، شيء واحد تمناه حسان أن ينقلوا هذه الأخبار إلى الرفاق في عمان ودمشق. لمس مدير السجن تعاطف الطبيب، فهمس في أذنه كلمات منها:
- أنسى عواطفك الإنسانية، لا أحد يمنعك القيام بها في عيادتك .
تحفر الذكرى مداً في رأسه، كيف ينسى ذلك المشهد لحظة اندفع أحد السجانين وهو يهيء نفسه لملاكمة المضربين، في حين كانوا منهكين أشبه بأوراق الخريف الصفراء، هرول باتجاههم وبدأ يلاكمهم واحداً واحداً، وعندما انتصر عليهم جميعاً رفع رفيقه يده إلى الأعلى وصفق السجانون عندما نظر باحتقار إلى السجناء المضربين وقال:
- ليبق الله القوة فينا، فهي التي تحمينا وتردعكم .
كان المنظر باهتاً حين تقدم مدير السجن وربت على كتفه، تعالى التصفيق. عندما لم يتمالك الطبيب دموعه، انصرف بهدوء دون أن يزعج أحداً أو يبدي رأياً، وعندما سألوه عنه ليشاركهم فرحة نصر عسكري واحد على " مجموعة المخربين "، رد بقسوة .