تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جن جنونه ثانية فتقدم بكرسي تلقاه عمر بيده، ثم دفعه بلكمة من يده الأخرى، وقع بين الكراسي، ارتفع التصفيق ووقف كل من في القهوة ينظرون إلى ذاك المشهد الغريب وهم غير مصدقي من بأن العتال قد اندحر، لأول مرة يتجرأ أحد رواد القهوة ويمنعه من ممارسة جنونه وغلاظته ولأول مرة يقع بين الكراسي. تناوله من ياقة قميصه وشده إليه ثم دفعه إلى الخلف وتكوم هذه المرة فوقه، وهو يكيل له الضربات. وعندما حاول الوقوف على قدميه ورد الضربات عاجله بواحدة من يده اليسرى على بطنه، ثم لوى ذراعه ودفعه إلى خارج القهوة. من يومها لم يدخلها العتال، ويقال إنه غادر على إثرها مدينة القدس إلى الخليل .

أغمي عليه قبل أن يتذكر تفاصيل الحادثة الثانية التي جرت في قهوة الحجاز في مدينة دمشق وهي مشابهة لتلك.

نشرت مقالات في صحف أوربية وأمريكية حول الإضراب، وجاءت بعثات صحفية إلى سجن الرملة رأت حالة المضربين، والتقى بعض المراسلين وجه لوجه مع عدد من المضربين، في حين تدخل مدير السجن وأمر بنقل إسحاق مراغة إلى المستشفى .

دارت معارك بين السجناء والسجانين، فقد الشيخ عباس أحد أسنانه الأمامية. وصف قول أحد السجانين " السجناء مدللون لدينا، عليهم فك الإضراب والتفاوض مع إدارة السجن " بالكذب، وقال :

- عندما يتساوى الموت والحياة، على الإنسان اختيار طريق العزة والإباء.

همس أحد الصحافيين في أذن الشيخ: " استمروا في الطريق الذي ترونه مناسباً، إن ما تفعلونه منتهى العطاء.. أن يستمر السجين ممتنعاً عن الطعام وهو سائر إلى حتفه، تضحية رائعة، لن ندعكم بعد اليوم بين أنياب الوحوش، سنغطي كل شيء وسنقيم الدنيا ومنظمة حقوق الإنسان على السفلة "

تظاهرت إدارة السجن بالانزعاج لموت اثنين من المضربين ونقل الثالث إلى المستشفى. حاولوا تهدئه الجو العام خاصة عندما علموا بخروج مظاهرة نسائية في القدس، تقودها أم عدنان، تندد بالسجون وتطالب بتحسين معاملة السجناء، نصت اللافتات المحمولة على ذلك أيضاً .

مدير السجن يمثل السلطة، يتحمل مسؤولية الفضائح التي تسربت من سجنه، تساءل لِمَ لا يحاول استرضاء هذه البعثة وغيرها، يعرف أن التعليمات المشددة ضد السجناء تنص على ذلك، الوزراء شهدوا بحنكته. ذات مرة قال له وزير الداخلية " اعمل ماشئت دون ضجة، دون أن يعلم أحد، إياك أن تفعل شيئاً يكشفه الآخرون، عندها لن أرحمك ".

روايات · الصفحة ١٢٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٢٣٥