- أيها الرب هؤلاء جبابرة ينحني الإنسان تواضعاً لقوتهم وصلابتهم، اللهم أشهد إنني قمت بواجبي وأديت الأمانة، فلا تؤاخذني على ما نفذته بحقهم أدوناي موسى أنا عبدك المأمور فاشفع للمستجير بك!
انسحب ركلبويم وذهب إلى غرفته وقرر عدم مغادرتها، فهو لا يستطيع عمل شيء، الإدارة مصممة على قتل المضربين، وهذا يتنافى مع مهنته. قرر أن يظل بعيداً، يسمع أخبار المضربين وموتهم أفضل ألف مرة من أن ينفذها، يكفي أنه لا يرى الصور المؤذية التي تجعل القلب ينفطر. استغرب كيف تفكر إدارة السجن، وكيف تستطيع أن ترى منظر السجناء وموت أحدهم ولا تتحرك أفئدتهم. ترى لو كانوا قطيع غنم افترسته الذئاب آلا يحزنون ؟
الصور التي تجعل شعر الرأس يقف، تثير الضحك والتنذر لدى الطاقم الطبي و السجانين، وتكرس أكثر فأكثر حالة العداء المستحكمة بينهما. عمر بمقدرته أن يدفع الأذى ليس فقط عن نفسه بل عن عشرة من زملائه. حادثتان تدقان جدار زنزانته، وصل الدم نقيأ إلى رأسه يوم كان في " قهوة الحسين " في مدينة القدس.
شخص يكنى بالعتال، فارع الطول قوي لدرجة أنه قادر على مسح الكتابة عن العملة المعدنية، يأتي إلى القهوة يشرب ويأخذ خرجيته من صاحبها وبعض الموجودين. ومن لا يروق له يضربه أو يطرده. ذات مرة كان جالساً إلى الطاولة المجاورة لعمر، وضع قدمه اليمنى ولفها فوق اليسرى، خلع حذاءه ففاحت رائحة نتنة كريهة جداً. طلب من صاحب القهوة ماء ليغسل قدميه. تأخر العامل فناداه ثانية وعندما حضر صفعه وأراده أرضاً، عندها لم يتمالك عمر أعصابه، نادى على صاحب القهوة وقال له :
- إياك أن تلبي طلبات الزبائن الوقحين !
- من تعني يا أستاذ ؟
- أنت أيها الوقح الذي نسي أهلك أن يربوك، تماديت ونسيت أنني جالس هنا، لن أسمح لك ولا لغيرك بمثل هذه التصرفات .
صاح العتال على صاحب القهوة يهدده بحرقها إن لم يخرج الشخص الذي تطاول عليه.
حار في أمره فلم يجب، بينما هجم بكرسيّ على عمر، رده بلطف بعد أن خلص الكرسي من بين يديه، وهدده بالخروج بقوله:
- كفى أيها العتال أنت لا تعرفني، غادر قبل أن أهينك، لقد فعلت ما فعلته، يكفيك وقاحة، الحل الوحيد الآن مغادرتك .