سكبت الشمس ما عندها من حرارة، فلم يبق من حرارة كرتها إلا القليل من الرطوبة التي وفرتها حتى لا تشوي ذاتها وتفقد نورها .
في الوقت الذي حمت الشمس ذاتها من لهيبها المستعر، ارتفعت أصوات في سجن الرملة وقررت الصمود. خجلت السماء من فعلتها، استحمت الشمس على عجل بمياه غيمة مسافرة غرباً تكفر عن ذنوبها، وتستعد للصلاة، دعت الله أن يمحو عنها آثام هذا اليوم. بعد لحظات تغير الجو هبت رياح رطبة في الجهات كافة، ونزل المطر غزيراً، لكنه تبخر وهو في طريقة إلى الثرى، شكل غيمة جديدة في حركة سفرلولبية لاتنتهي .
راقب السجناء ذلك، هتف عباس :" إنها المعجزة، يانار كوني برداً وسلاماً علينا، الله معنا، أقسم إنه معنا " .
نهص وهو يهتف " الله أكبر " ركض عشرون عسكرياً وتناوبوا ضربه حتى أغمي عليه، شعر أن جسده أكثر فتوة وأن المطر يغسله. قرر الاحتفاظ بالرؤيا التي أحس بها، زحف باتجاه عمر مديره فإذا الندى يبلله، صاح " الله الأكبر" في وقت كان الجنود ينشفون عرقهم، ويحاولون تحريك الهواء بأيديهم .
الطبيب ركلبويم والممرض رافي على خلاف دائم. أعطى الطبيب أوامره بالكف عن إيذاء المضربين .أما رافي فإنه تصرف كمن لم يسمع شيئاً، تعمد إدخال أنبوب الطعام إلى مجرى التنفس لعمر القاسم ولولا وجود الطبيب لقتله. يتلذذ بفعلته يضحك ملء شدقيه ويصرح لطبيبه بما يود فعله، لكنه عندما عرف أنه لا يوافقه على أفعاله، تصرف دون العودة إلى أحد، وأخذ يتعمد القيام بما يريده بمعاونة العسكريين. مر ليفي جونسون فوقف السجانون احتراماً، طالبهم جمع السجناء. بعد جولة له على أقسام السجن، عاد ليخاطب المضربين، قال:
- اطلبوا ما شئتم، سنتفاوض على إنهاء الإضراب وسنقدم لكم جزءاً من مطالبكم ووجبات دسمةً .
أجابه الشيخ عباس:
- الوجبات الدسمة إذا قدمت بعد الإضراب تضر ... ما الأشياء التي وافقتم عليها وما نسبة ما تحقق من مطالبنا حتى نتفاوض .
صاح في وجهه قائلاً :
- ما قلة الأدب هذه، إن ما سألته من اختصاص لجنة السجون في الوزارة. الآن المطلوب إنهاء الإضراب مع وعد منا ببحث كافة طلباتكم، دعوا ما لقيصر لقيصر، ولا تخلطوا الأمور حتى لا تضيعوا بين الأرجل، أقدم نصيحتي وأترك لكم الخيار !
صمت الجميع ولم يردوا عليه، أخذ كل واحد منهم ينظر إلى وجه رفيقه، لم يجرؤ أحد منهم على قول كلمة قد تسيء إلى تصميمهم على المواصلة .
صاح :" ما الجواب؟"