في صباح اليوم التالي أفاقوا على صوت الممرض يدعوهم لتناول الحليب وإلا فإنه مضطر لاستخدام الأنبوب القاتل. أمضى اسحاق مراغة ليله يصارع سكرات الموت. من رآه وسمع توجعه لم يصدق أن النهار سيطلع وبه بقية.. الألم داخل الغرف، الباب الخارجي للسجن مغلق، ولا أحد يعلم ما يحدث داخله. السجن أسوار عالية، حراسات طوال الصرفان .
تصميم إدارة السجن على قهر المضربين والتعتيم على إضرابهم وعدم تحقيق مطالبهم. أمامهم حلان الاستمرار أو التوقف. طرح الشيخ عباس الرأيين، فرفع الجميع أيديهم مؤيدين الإضراب عن الطعام حتى نهاية الحياة. في هذه اللحظة تواردت إلى ذاكرة عمر روايات كنفاني، ابتسم وطلب إلى رفاقه أن يقتربوا منه أكثر، سألهم:
- أتعرفون لماذا اعتالت "اسرائيل" غسان كنفاني ؟
وردت إجابات عدة حول الإجابة الصحيحة، فمثلاً أكد الشيخ عباس بأن السبب يعود لكونه مسلماً ومؤمناً بقضيته. بينما علل حسان ذلك، لأنه وطني. وقال آخرون كلاماً قريباً من ذلك، عند اكتمال الإجابات والنقاش قال عمر:
- اثنان إذا قضى عليهما العدو انتصر، روح التحدي والمواجهة والثقافة، فبعد القائه القبض علينا، خطط لقتل الطرف الآخر الذي نما في الخارج، لأنه بدأ يصنع حياة شعب، ويقرع جدار الخزن مؤكداً أن الإنسان في نهاية الأمر قضية ... غسان عين وهبت نفسها لمقاومة المخرز، عين دلتنا على الطريق.
فتح الشيخ عباس يديه وبدأ يبسمل طالباً إلى رفاقه أن يقرؤوا الفاتحة على روح غسان كنفاني رحمه الله.
- الفصل السادس -
الثاني والعشرون من تموز يوم مشهود ليس فقط بحرارته إنما بما حدث للسجناء في " المعبار". في ذلك اليوم الحار أخذت فيه الحرارة حقها من الحجر. التجأ الناس إلى الظل، قصدوا محلات المرطبات، ومنهم من سافر إلى البحر، فوران الأشعة جعلت المياه تسخن، أما رمال الشاطئ فجمرات تبادل الشمس ذلك الوهج. وعند الرملة سلطت نارها ظانة أن عشرات الخراف ستقدم قرباناً لنورها.
كان مشهد السجناء وهم مستلقون مرة على ظهورهم ومرة على بطونهم، بينما الأشعة تحيل ألوان أجسادهم إلى لون داكن، هو المنظر المألوف في باحة السجن. السجناء تمددوا وفقدوا قوتهم، ساقية تبلل البلاط لكنها قبل أن تأخذ طريقها للجريان تدغدغها الحرارة وتجذبها إلى الأعلى. الجنود يهربون من الحر ويلوذون بالظلال، السماء تبدو أقل زرقة وأكثر بعداً، الوهج يتوزع سراباً لا تدركه العين.