دقائق ثقيلة مرت قبل حضور الطبيب، الذي فحصه وأعلن وفاته، لفوه ببطانية بينما سيارة الإسعاف تعوي كالذئاب، حملوا الجثة إليها , وقف رفاقه على الرغم من الألم والدوار دقائق أدوا التحية العسكرية وأنشدوا:
بلادي بلادي بلادي لك حبي وفؤادي .
حقن كل واحد الدموع في عينيه، ينتظر الفرصة يختلي بنفسه لمسحها. اطلقت سيارة الإسعاف تباحها ثانية وغادرت. قعدوا على الأرض ينظرون إلى وجوه بعضهم بعضاً، تردد صوت راسم لا تساوموا.. لا تساوموا. الوقت يتمدد، تفقد الساعة عقاربها، يتوقف الزمن، ينطفئ كعقب سيجارة ويرمى على قارعة الطريق. حشود الجنود وحركتهم غير الطبيعية تفرض جواً خاصاً من الترقب، وتزيد في خيبتهم وألمهم وكراهيتهم. ينهش الذعر أوصالهم يدب في اللسان، يصير قطعة كبيرة عضلة متحجرة تفقد مرونتها.
أما عمر فإن الحزن نسج حوله كتلة من الغيوم الدخانية حجبت الرؤية. في حين انحدرت حبات كبيرة كدموع الثكالى مزاريب على خديه. شعر بقشعريرة، رأسه يكاد يتفجر، لا شيء يزيل وجعه، معدته الخاوية تتقلص بسرعة محدثة احتكاكاً بجدرارها ونوبات تشنج، جسده خائر القوى، العرق البارد يتصبب، عادت الشمس إلى فتوتها كتلة جمر تلهب الجسد، تجعله يحترق، يسرع الخطا، يصب الماء على رأسه ويغسل وجهه، تعود القشعريرة إليه، يأخذ نفساً عميقاً يشعر بالحيوية. يتذكر كلمات رافي إلى حلاوة " لن نعالجك وأنت مضرب، من يتحدانا فإلى الموت والمزبلة ".
راسم حلاوة ابن غزة، لوحته شمسها وبحرها ورمالها حتى بات عجينة برونزية تميل إلى السمرة، بنى قوات التحرير الشعبية على المحبة والتفاني والبطولة. قاوم الاحتلال، وعندما اعتقل غطت غيمة القطاع، هبت ريح السموم التي لم تتوقف طوال الأسبوعين. بعد اعتقاله خبأت جماعته أسلحتها وعناصرها بانتظار خروجه لتبدأ وتتابع الثورة. ماذا تفعل إذا سمعت باستشهاده ستتحول غزة إلى برميل بارود.
عاد الطاقم الطبي بقيادة الطبيب ركلبويم والممرض رافي لممارسة دورهما، طالبهما المدير بإصلاح الأمر ما أمكن، السجن مقبل على فضيحة بعد تدخل بعض المحامين لدى القضاء. السجانون ينفذون ما يطلب إليهم وكذلك الجنود الاحتياط الذين عززوا بهم أمن السجن. أمر الطبيب بنقل المضربين واحداً بعد آخر إلى غرفة التمريض، وهناك أوكل الممرض بإعطائهم كمية من الطعام عن طريق الأنبوب المطاطي الذي ينتهي بقمع يصب فيه الحليب لينزل عبره إلى المعدة. احتد على علي الجعفري هدده بقوله: