شعر بقوة إضافية يحتاجها ليودع رفاقه وأخوته. انتفض لحظة، فاجتمعوا حوله، ابتسم وقال: اصمدوا أيها الرفاق، فلا حياة مع الذل، لا تساوموا على المبادئ.
كانت هذه رسالة الوداع التي لم ينطق بعدها بحرف واحد، إذ خفت صوته وهو يحدق إلى عمر، افتر فمه عن ابتسامة ثم لوى رأسه إلى الوراء، نظروا إليه عيناه مفتوحتان، الابتسامة نامت على شفتيه، وتصلب جسده " أيعقل أنه مات !" قالها حسان بدهشة وألم عظيمين، نادى وصوته متهدج:
- مات راسم أيها الرفاق!
لم يستطع قول أكثر من ذلك، أجهش وانهالت دموعه تغسل وجنتيه ملتحمة مع قطرات العرق، التي ملحت جلده ووجهه، لكنها لم تطمس تجعدات الألم والقهر وعذابات الزنازين ووحشية السجانين .تأمله عمر، تسمرت عيناه على الجسد، ركع إلى جانبه، أسبل جفنيه، مسد مقلتيه، عصرهما، فخرجت دمعتان حارقتان، رسم قبلة الوداع لثم وجهه وجبينه، ثم قرأ الفاتحة ومسح وجهه بكفه وقال:
- أيها الرفاق لقد استشهد حلاوة، وآخر كلمة قالها لا تساوموا، احفظوها جيداً، إنها وصيته الغالية، أيها الرفيق أنت السابق ونحن اللاحقون، لن يمضي زمن طويل بين موتينا ... إنها القافلة التي تفقد أثناء حركتها أغلى قادتها، أقسم أن نحمل الأمانة ولن نساوم.
صاح الجميع: الله أكبر، الله أكبر، الشهيد حبيب الله، يا جنة أفتحي أبوابك وحلاوة من زوارك ...
تعالت صيحات تندد بسياسة إدارة السجن، وتحث على الصمود وشعارات متنوعة في الوقت الذي صاح فيه الشيخ عباس: " الله أكبر والنصر لنا ".
فاضت عيناه بالدموع، لم يستطع حبسها في مقلتيه، الدموع كما قال الشيخ تعبر عن المحبة والعاطفة الأخوية، ولهذا طلب إلى رفاقه أن يخرجوا ما بمحاجر أعينهم.
مازال الشيخ عباس واقفاً كالصخرة إلى جانبه، فتح يديه وطلب إلى الرفاق أن يسامحوه ويقرؤوا الفاتحة على روحه، مسح بيديه على وجهه وهو يقول آمين.
الوجوه الصفراء التي لوحها الإضراب وجعلها ذاوية، توهجت للحظات وأنارت بارقة الأمل عيونهم. دمعت فسقطت بعض القطرات الحارقة على الخدين. تضايق علي الجعفري من الضعف الذي بدا على رفاقه، قال:
- إياكم والدموع، إنها تعبر عن ذل وخنوع، ليبكه كل واحد بقلبه وعقله، وليخزن عليه بطريقته الخاصة. علينا أن لا نشعرهم بضعفنا، لو كانت الدموع تعيده لفاضت الأنهر على السهول وتحول الكثير منها إلى بحار ومحيطات .