تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

استغرب الطبيب كلام مدير السجن، حدق إلى وجهه وقال: " لم أفهم قصدك سيدي !"

- قصدي واضح، انسى أنك طبيب لبضع ساعات، تصرف كعسكري ونفذ الأوامر على هذا الأساس، تذكر أنهم هددونا وما زالوا، هؤلاء وحوش يصعب تحويلهم إلى بشر إلا إذا أذلوا بضعة مشاغبين أقلقوا أمن المعتقلات، هل هذا معقول ؟! ترأف بهم، ما الذي يحدث لومات واحد أو عشرة؟ أريد رؤيتهم راكعين ....

مشى خطوتين ثم التفت وقال:

- من يجرؤ على سؤالنا.. إنك تحزنني عندما تقول ذلك، سأبول فوق رأس أكبر زعيم فيهم، أما الرأي العام فالعالم يعرف أننا بلد ديمقراطي ولنا أصدقاء مستعدون للدفاع عنا في كل مكان، أمريكا وحدها قادرة على فعل الكثير.

هز الطبيب رأسه وقصد الساحة العامة، نادى على رافي وطلب إليه تنفيذ تعليمات، مدير السجن، ونقل ما قاله وكرر قوله، عليك أن تنس مهمتك الإنسانية، المهمة الأولى إجبارهم على إنهاء إضرابهم .

في البداية تمت تعرية السجناء في الباحة واستلام ملابسهم المدنية، وتسليمهم ملابس السجن البنية، استمرت هذه العملية ثلاث ساعات، غطى عمر عينيه، عبلة أمامه كما خلقها الله بجسدها الخضراوي وشفتيها المرتجفتين وتماوج بصرها، ووقوفها إلى جانب الشجرة ودورانها حولها. غاب عن الوعي معظمهم. لم يبق متماسكاً إلا القليل الذين لا يتجاوزن أصابع اليد الواحدة، وهم غير قادرين لا على إسعاف غيرهم ولا منع أنفسهم من التدهور، الدوار طاحونة في رؤوسهم. الأرض تلف دورات متتّالية، وعندما يشعرون بعدم التوازن يسقطون على الأرض ويفردون أيديهم كجناحين قادرين على التشبث بالساحة وعدم الركون للزوغان،

نظر عمر إلى الأجساد الممددة، شعر بالظمأ، زحف إلى الصنبور، ركله أحدهم، تظاهر بالإغماء، يراقب وعندما تسنح الفرصة يتابع الزحف على يديه ورجليه ليصل إلى صنبور الماء ويغسل وجهه ويشرب، تلقى دفعتين بمقدمة حذاء أحد السجانين، حاول أن يتابع سيره وزحفه فسمع أحدهم يعلق " الغيبوبة جماعية "، خاف من دفعة حذاء عسكري آخر، راقب الساحة، وعندما تأكد من أنه غير مراقب، أسرع إلى صنبور الماء فتحة على آخره، شرب وعب الماء، غسل وتخلص من عبق الرطوبة والحرارة ومن ذاك السيل المتدفق من العرق، غسل وجهه ورأسه، شعر بالانتعاش ثم عاد إلى مكانه منبطحاً، تجول الممرض رافي بينهم، فلم يجد غيره قادراً على التحدث، فسأله:

- من أي شيء تشكو ؟

روايات · الصفحة ١٢٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٢٢٧