تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

استمر إعطاء المرحلين كمية من الطعام ساعة كاملة قبيل الساعة الخامسة، تحركت سيارتا الزنزانة المكلفتين بنقلهم مع سيارتي الشرطة العسكرية. الحرارة التي عانوا منها داخل السيارة أخذت تتلاشى مع الانطلاق. الهواء يدخل من فتحة بعرض عشرين سنتمتراً وطول سبعين. دبت روح الحياة من جديد وتنفسوا الهواء بعمق. السيارتان اتجهتا شمالاً كانتا بطيئتين لا تتجاوز سرعتمها أربعين كيلو متراً وعند المطبات تخف، فيشعرون بقلوبهم تقفز إلى حلوقهم ثم تنخفض إلى ركبتهم ترافق ذلك مع ألم شديد في رؤوسهم ووجع في معدهم، إن تخفيف السرعة بشكل مفاجئ واستخدام المكابح باستمرار جعل السجناء يشكون بأن هذا العمل متعمد وهو من نوع العقوبة.

السيارات البطيئة بمشيتها تشبه قافلة جرارات عائدة من العمل بعد شغل يوم كامل في أرض وعرة، وهي بارتفاعها وانخفاضها توحي بأنها مجموعة مطبات أوكأرض زراعية محروثة أوسائرة على الرصيف الترابي أو فوق طريق محفر، إذ لم تترك السيارات حفرة صغيرة أو كبيرة إلا ونزلت بها، علماً أن السائق يستطيع تجنبها، فلوا أسرع قليلاً ومشى على الشارع العام بعيداً عن الرصيف الترابي لأمكنه ذلك بسهولة، كل ذلك يمكن تبريره، أما الوقوف المفاجئ وتفحص عجلات السيارات وفتح غطاء المحرك مرات عدة، فأي مسوّغ له في طريق تنعدم فيه السيارات والمارة. سيارة الشرطة العسكرية الأولى هي التي تحدد السرعة وعلى السيارات الأخرى السير خلفها دون ابداء ملاحظات أو انزعاج. الباب الخلفي المغلق يظهر وجود حارسين يطلان من خلف الشبك الحديدي وعند السائق العسكري، يتفقدون السجناء كل نصف ساعة، ويحملون بنادق أمريكية ويرتدون زي الحرب. استغرقت الرحلة حوالي ست ساعات ونصف كانت أشبه برحلة إلى عالم الجحيم، لولا الطبيعة الرائعة التي تجود بنسائمها الحريرية.

نسيمات الهواء المتسلل إلى سيارة الزنزالة تصير أكثر طراوة، رائحة التربة تملأ خياشيمهم. بعض السجناء يعرف الأرض وطبيعتها من كمية الهواء المندفع ومن طبيعة الهدوء والصخب، إضافة إلى نور القمر الذي يكشف تضاريس المنطقة التي يمرون بها .

روايات · الصفحة ١٢٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٢٢٥