تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في اليوم الثالث بدؤوا يشعرون بفراغ المعدة من الطعام وفراغ في رؤوسهم، ساد شعور بالخواء ورائحة كريهة، تبين أنها رائحة الفم، خفف دخان التبغ قليلاً من انتشارها، الرأس يكاد ينفجر والمعدة تتقلص مع ألم شديد في الأمعاء، وارتخاء في الجسد وعدم قدرة على الحركة أو عمل أي شيء. زاغت الأبصار، الأرض والناس والأبنية كلها تدور، منهم من شعر بغباشة تغطي عينيه، فركهما فشعر بألم داخلهما، يعود ثانية إلى الاستلقاء، لم يتركه حسان طالبه بأن يصارحه، ما في قلبه. ذات مرة ناداه الشيخ عباس وقال له: " إن الحمل الذي في قلبي يكاد يقتلني، تهللت أساريره. حدثه بصوت منخفض، اقتربا حين بدأ الشيخ يقص حكايته مع زوجته فواحه خالد.

أنهى قصته بقوله :

- تصور يا صديقي كم أنا تعيس ‍بعد أشهر من زواجي قبضوا عليّ، وها أنا هنا بعيداً عنها .

- آه يا شيخي أنت لم تدوخني فقط، بل جعلتني أذوب وجداً وأتحرق.. ألم تدخ من الإضراب ومن تفكيرك الذي يسير عكس عقارب الساعة ‍

وضع يده على خده ولم يجب. ساءت حالتهم كثيراً يوماً عن يوم. مع اليوم السادس ازدادت الدوخة وكادت تتحول إلى نوبات خمول وخمود وإغماء. وعدم القدرة على الوقوف والسير، والجلوس على الأرض منعاً من الوقوع، القعود يساعدهم على التماسك والصمود. كانوا يلجؤون إلى الماء يعبون منه ويخرجونه بولاً له رائحة حمض واخزة. مع نهاية الأسبوع الأول بدأ الدوار يلف الرأس والجسد، بدأ دوره، الدنيا تدور أشبه بأرجوحة لفها غير متوازن. ازداد الضعف ولكن ظلت هناك قدرة على الحركة لمسافة بسيطة، إما مشياً أو حبواً حسب حالة الشخص. غاب حسان عن الوعي، اختفت من ذهنه الصور، عادت ثانية وهي أكثر تشوهاً، خبأ كمية من الملح حرص على تناول القليل منه للمحافظة على المعدة والأمعاء من التعفن.. الشيخ عباس هبط وتشبث بالأرض، أزيز الدوخة أشبه بأزيز الرصاص. الرأس كرة جوفاء مثقوبة يدخلها الهواء. حواسه تالفة لا تسعفه، الرؤية أشبه ما تكون بعلامات متأرجحة تظهر وتغيب دون قدرة على ضب المشهد ورؤيته. استهلك جسده طاقته وبدأ يطحن …ذاته. ومع ازدياد الإقبال على شرب الماء فإن ذلك لم يغير شيئاً من الحالة، الوضع الجسدي يزداد سوءاً .

روايات · الصفحة ١٢٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٢٢٢